بين السياسة والتنجيم: لماذا يبدو أن المنجمين توقعوا ما يحدث في العالم؟
الحدث-كندا
للبحث والمتابعة
مع تصاعد الحروب والتوترات الدولية، من الشرق الأوسط إلى أوروبا وآسيا، عاد الحديث بقوة عن “نبوءات” المنجمين وقارئي الأبراج الذين يزعم بعضهم أنهم توقعوا ما يجري اليوم من صراعات وتحولات عالمية. لكن هل نحن فعلاً أمام قدرة استثنائية على التنبؤ بالمستقبل، أم أن ما يبدو دقة في التوقع ليس أكثر من قراءة لاحقة للأحداث؟ بين السياسة الواقعية والخطاب الغيبي، تبدو المقارنة كاشفة لطريقة فهم البشر للأزمات الكبرى عندما يدخل العالم مرحلة اضطراب عميق.
في كل مرحلة تاريخية تشهد اضطرابات كبرى، يظهر المنجمون من جديد في واجهة النقاش العام. فالحروب، والأزمات الاقتصادية، والتغيرات السياسية الكبرى، تدفع كثيرين إلى البحث عن تفسير يتجاوز الحسابات السياسية المعقدة. وعندما يشتعل الشرق الأوسط أو يتغير ميزان القوى الدولي، تبدأ المقارنات مع نبوءات قديمة أو توقعات أطلقها قارئو الأبراج في سنوات سابقة.
في الواقع، ليس جديداً أن يتزامن تصاعد الأزمات مع انتشار الحديث عن التنجيم. ففي أزمنة الحروب العالمية، كما في مراحل الانهيارات الاقتصادية الكبرى، كان الجمهور يميل إلى البحث عن “علامات” تشير إلى ما سيأتي. لكن المفارقة أن معظم هذه التوقعات تكون عامة إلى درجة تسمح بتطبيقها على أكثر من حدث وأكثر من زمن.
غالباً ما تتكرر العبارات نفسها في أدبيات التنجيم: “صراع كبير”، “تحولات في موازين القوى”، “أزمات مالية عالمية”، أو “سقوط أنظمة سياسية”. مثل هذه الصياغات تبدو لاحقاً وكأنها أصابت الهدف عندما يقع حدث كبير، بينما الحقيقة أن العالم السياسي يعيش بطبيعته دورات من الأزمات والتحولات تجعل مثل هذه العبارات قابلة للتطبيق في أي مرحلة تقريباً.
ما يحدث اليوم في الشرق الأوسط مثال واضح على ذلك. فالتوتر العسكري بين إسرائيل ومحور إيران، والضغوط المتزايدة على لبنان، والتبدلات في التحالفات الإقليمية، ليست تطورات مفاجئة ظهرت من فراغ. هذه الأحداث هي نتيجة تراكمات سياسية وعسكرية استمرت سنوات طويلة، ويمكن فهمها من خلال تحليل موازين القوى والمصالح الاستراتيجية للدول المعنية.
الأمر نفسه ينطبق على المشهد العالمي الأوسع. فالتنافس بين القوى الكبرى، والتحولات في الاقتصاد العالمي، وتزايد النزاعات الإقليمية، كلها مؤشرات رصدها المحللون السياسيون منذ سنوات. ولذلك فإن ما يبدو للبعض “تحققاً لنبوءة” هو في الواقع نتيجة مسار سياسي يمكن تتبعه وتحليله بأدوات واقعية.
لكن لماذا ينجذب الناس إلى التنجيم في أوقات الأزمات؟
الجواب يرتبط بطبيعة الإنسان نفسه. عندما تصبح الأحداث معقدة وغير قابلة للتنبؤ بسهولة، يميل كثيرون إلى البحث عن تفسير بسيط يمنح شعوراً بالسيطرة على المستقبل. التنجيم يوفر هذا الشعور، لأنه يقدم رواية جاهزة تقول إن ما يحدث مكتوب مسبقاً أو متوقع منذ زمن.
في المقابل، يعتمد التحليل السياسي على قراءة الوقائع الملموسة: موازين القوى العسكرية، المصالح الاقتصادية، التحالفات الدولية، والقرارات الاستراتيجية للدول. هذه العناصر، وليس حركة الكواكب أو الأبراج، هي التي تحدد مسار الأزمات والحروب.
لهذا السبب، تبدو المقارنة بين السياسة والتنجيم كاشفة أكثر مما هي تنافس بين منهجين. فبينما يقوم التنجيم على عبارات عامة قابلة للتأويل، يعتمد التحليل السياسي على معطيات قابلة للقياس والمتابعة. ومع كل أزمة جديدة، يتكرر المشهد نفسه: يتذكر البعض “نبوءة” قديمة، بينما يحاول آخرون فهم ما يجري من خلال قراءة الوقائع.
في النهاية، ما يحدث في العالم اليوم لا يحتاج إلى منجمين لتفسيره بقدر ما يحتاج إلى قراءة سياسية هادئة. فالعالم يمر بمرحلة إعادة تشكيل للتوازنات الدولية، والشرق الأوسط يقف مرة أخرى على خط التحولات الكبرى. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية، يبقى الفارق واضحاً بين التفسير الغيبي للأحداث والتحليل الذي يستند إلى فهم المصالح والقوة والواقع.

الحدث-كندا
للبحث والمتابعة
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

