هل يعلم حزب الله أنه “فصيل” وليس “أصيل”؟
الحدث-كندا

نديم المشرق
المعضلة التي يعيشها حزب الله لا تبدأ من الميدان، بل من تعريفه لنفسه. فالحزب يتصرف في لبنان كما لو أنه أصلٌ في الكيان، وصاحب حق أعلى من الدولة، وأوسع من الدستور، وأبعد من المجتمع نفسه. يتخذ قرار الحرب، يحدد اتجاه البلاد، يفتح الجبهات ويغلقها، ثم ينتظر من اللبنانيين جميعا أن يدفعوا الثمن، وكأن وجوده المسلح قدرٌ لا يُراجع، وكأن تبعيته ليست تبعية، بل مرتبة فوق النقاش.
لكن الحقيقة السياسية العارية تقول غير ذلك: حزب الله ليس أصيلا في الدولة اللبنانية، بل فصيل داخلها. ليس مرجعية نهائية، بل قوة أمر واقع فرضت نفسها بالسلاح وبالغطاء العقائدي وبالفراغ الذي تركته الدولة على مدى سنوات. والفصيل، مهما تعاظم، يبقى فصيلا، أي جزءا من مشهد أكبر منه، لا كيانا يختصر البلاد، ولا سلطة يحق لها أن تُلزم شعبا كاملا بمصير لم يختَره.
من هنا يبدأ السؤال الأخطر: هل يدرك الحزب فعلا أنه ليس الدولة؟ وهل يفكر، ولو مرة واحدة، في اليوم الذي تتبدل فيه موازين القوة من حوله، أو في اللحظة التي تضعف فيها طهران، أو تُستنزف، أو تنكفئ، أو تعجز عن الاستمرار في إدارة هذا الامتداد اللبناني بالوتيرة نفسها؟ ماذا يبقى عندها من كل هذا البناء؟ ماذا يبقى من خطاب التفوق، ومن فائض السلاح، ومن منطق الوصاية على الداخل، إذا تراجعت الجهة التي أعطت هذا الفصيل معناه الإقليمي ووظيفته واندفاعه ومبرر استمراره؟
المشكلة أن الحزب لا يتصرف كمن يقرأ هذه الاحتمالات. يتصرف كمن يعتبر أن ارتباطه العقائدي والعسكري بإيران حقيقة ثابتة لا تهتز، وأن المشروع الذي يحمله أكبر من الجغرافيا اللبنانية وأثبت من التحولات. وقد يكون هذا مقبولا في خطاب التعبئة الموجه إلى القواعد المقاتلة، لكنه يصبح كارثيا حين يتحول إلى عقل سياسي مغلق، لا يسأل عن المآلات، ولا يعترف بأن لبنان ليس ساحة أبدية لحروب الآخرين.
وهنا بيت القصيد. الحزب لا يقاتل اليوم بوصفه طرفا لبنانيا يدافع عن مصلحة لبنانية واضحة ومحددة، بل بوصفه فصيلا يؤدي وظيفة ضمن محور. وحين يكون القرار الفعلي مرتبطا بحسابات تتجاوز الحدود، تصبح البيئة اللبنانية مجرد مخزون بشري، وتتحول القرى إلى خطوط تماس، ويغدو الناس وقودا إضافيا في معركة لا يملكون قرارها. عندها يفقد الحزب أي حق أخلاقي أو سياسي في الادعاء بأنه “يحمي” لبنان، لأنه يكون قد وضع لبنان نفسه في خدمة معركة أخرى.
الأخطر من ذلك أن الحزب، في كل محطة مصيرية، يطلب من اللبنانيين أن يتعاملوا معه كأنه أصل البلد، فيما سلوكه يؤكد العكس. الأصل يبني الدولة، لا يزاحمها. الأصل يحتمي بالمؤسسات، لا يضعفها. الأصل يرد النزاعات إلى القانون، لا إلى السلاح. الأصل يتصرف من داخل المصلحة الوطنية، لا من داخل تكليف عقائدي عابر للحدود. أما الفصيل، فيُقاس بحجم التصاقه بالمشروع الذي يتغذى منه، وبمدى استعداده للتضحية بالداخل من أجل هذا المشروع. وهذا بالضبط ما أوصل لبنان إلى ما هو عليه.
لقد أُعطي الحزب، بعد حرب 2006، وقتا أكثر مما يستحق. ولم يُطلب منه أن يعود فعلا إلى منطق الدولة، بل تُرك يتمدد، ويعيد تنظيم نفسه، ويعمّق نفوذه، ويعيد تشكيل بيئته على صورة التعبئة المستمرة. وخلال تلك السنوات لم ينجح في بناء شراكة وطنية، بل راكم خوفا وعداء وعزلة، داخل لبنان وخارجه. بدلا من أن يتحول إلى مكوّن سياسي طبيعي، ازداد اقتناعا بأنه فوق المحاسبة، وبأن سلاحه يمنحه حق تعريف الوطنية كما يشاء.
وما نشهده اليوم هو ذروة هذا الوهم. الحزب يعرّض بيئته مرة جديدة للنزف والتهجير والدمار، فيما لا تبدو أمامه أي مكاسب لبنانية حقيقية يمكن أن تبرر هذا المسار. لا أفق سياسيا واضحا، ولا تسوية تحفظ له ما يعتبره “إنجازا”، ولا استعدادا دوليا أو عربيا لإعادة إنتاج التجربة نفسها: حرب، ثم خراب، ثم أموال لإعادة الإعمار، ثم عودة إلى النقطة نفسها. هذه المرة تبدو الأرض أكثر قسوة، والغطاء أقل، والتعب أكبر، والقدرة على ترميم الكارثة أضعف بكثير.
ومع ذلك، يواصل الحزب التصرف كأن الاستمرار بحد ذاته استراتيجية. كأن مجرد الصمود كافٍ لتبديل الوقائع. كأن المجتمع الدولي سيكافئه في النهاية على التراجع عن حرب لم يكن يفترض به أصلا أن يجر لبنان إليها. وهذا رهان شديد الخطورة، لأنه لا يستند إلى قراءة واقعية، بل إلى عادات سياسية ترسخت في مراحل سابقة ولم تعد صالحة اليوم.
إسرائيل، مهما كان الموقف منها، لا تخفي أنها تريد إنهاء أي بنية عسكرية مستقلة للحزب. وهذا يعني أن استمرار القتال لا يحسّن شروط الحزب، بل يدفع نحو مزيد من الاستنزاف والتدمير. وكل يوم يمرّ لا يعزز موقعه الوطني، بل يكشف أكثر أنه فصيل يقاتل دفاعا عن وظيفة، لا عن وطن. فالأصيل لا يضع شعبه أمام الخراب المفتوح ثم يطلب منه الصبر. الأصيل لا يختبئ خلف اللغة الكبرى فيما الناس تخسر بيوتها وأرزاقها وأمانها. الأصيل لا يقامر بمصير طائفة كاملة، وبمصير بلد كامل، على أمل أن تتبدل المعادلات من الخارج.
لهذا يصبح السؤال واجبا: هل يعلم حزب الله أنه فصيل وليس أصيلا؟ وهل يدرك أن أقصى ما يستطيع بلوغه بالقوة هو السيطرة، لا الشرعية، والهيمنة، لا الانتماء الوطني الجامع؟ لأن الفرق شاسع بين من يفرض نفسه بالسلاح، ومن يكون جزءا طبيعيا من وطن. الأول قد يخيف، قد يهيمن، قد يخرّب التوازنات، لكنه لا يصبح بذلك أصلا. الأصل يُنتج استقرارا. أما الفصيل المسلح، مهما تضخم، فيبقى رهينة لحظة القوة، وأسير الجهة التي تمده بأسباب البقاء.
لبنان لا يحتمل أكثر من هذا الالتباس. ولا يحتمل أن يبقى مصير شعبه معلقا على جماعة ترفض أن ترى حدودها، أو أن تعترف بأنها واحدة من مكونات البلد، لا البلد كله. وما لم يُحسم هذا الخلل، سيبقى اللبنانيون يدفعون ثمن فصيل يصرّ على التصرّف كأنه الأصل، فيما كل الوقائع تقول إنه، في نهاية المطاف، ليس أكثر من ذراع في مشروع أكبر من لبنان، وأقسى على لبنان.
www.alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

