الانتشار اللبناني… من صوت انتخابي إلى شريك في القرار
الحدث-كندا
أندريه قصاص
لم يكن المؤتمر السنوي الثامن لحزب “القوات اللبنانية” في كندا، تحت شعار “صوت الانتشار… قوة التغيير”، مجرّد محطة حزبية تجمع القواتيين من مختلف المدن الكندية والولايات المتحدة، بل شكّل مناسبة لإعادة طرح سؤال هو محوراهتمامات “معراب”، وهو: ماذا يستطيع اللبنانيون في الخارج أن يفعلوا لتغيير واقع بلدهم، وهل يمكن أن يتحوّل حضورهم الاغترابي إلى قوة سياسية مؤثرة في مسار الدولة ومستقبلها؟
في صالة “شاتو رويال” في لافال، حيث اجتمع أكثر من 500 شخص، تقاطعت مواقف النائبة غادة أيوب، والنائب السابق عماد واكيم، والأمين العام إميل مكرزل، والمنسق العام للقوات اللبنانية في كندا ميشال أبي عقل، ورئيس مركز مونتريال رشدي رعد، إلى ناشر ورئيس تحرير موقع “الحدث – كندا” الأستاذ رؤوف نجم، والمسؤول عن النشاطات الجالوية فيه الأستاذ حليم كرم، عند فكرة أساسية مفادها أنّ الانتشار لم يعد مجرّد امتداد عاطفي للبنان، ولا خزاناً مالياً فقط يمدّ عائلاته بالدعم، بل بات رقماً سياسياً يصعب تجاهله، لما يمتلكه من قدرة على التأثير في الانتخابات، ومن إمكانات اقتصادية ومهنية وعلاقات داخل المجتمعات التي يعيش فيها.
وهذا الانتقال من هذه القناعة إلى تحقيق نتائج ملموسة يأتي مؤتمر “القوات” هذه السنة” ليؤكد أن التحدي الحقيقي ليس في إثبات أهمية المغتربين، بل في تحديد الآليات التي تسمح لهم بممارسة دور مستدام في الحياة السياسية اللبنانية، وفي تحويل مطالبهم إلى تشريعات وسياسات عامة، بدلاً من استحضارهم عند كل استحقاق انتخابي ثم العودة إلى التعامل معهم بوصفهم خارج المعادلة الداخلية.
من حق الاقتراع إلى حق التأثير
برزت مسألة المشاركة الانتخابية في صلب النقاشات، ولا سيما في ضوء المطالبة بتعديل قانون الانتخاب بما يسمح للبنانيين غير المقيمين بالاقتراع للمرشحين في الدوائر الـ 128. فالمسألة، كما تظهر من مواقف أيوب وواكيم، لا تتعلق فقط بعدد المقاعد أو بتوزيع الأصوات، بل بمكانة المغترب في النظام السياسي اللبناني: هل هو مواطن كامل المشاركة في اختيار ممثليه، أم أنّ دوره يبقى محكوماً بآليات انتخابية تحدّ من قدرته على التأثير المباشر؟
لقد أظهرت التجارب الانتخابية السابقة أنّ أصوات الخارج يمكن أن تؤثر في نتائج عدد من الدوائر وفي موازين القوى النيابية. غير أنّ هذه القدرة، على أهميتها، لا تكفي وحدها لتغيير بنية النظام السياسي أو ضمان استمرارية الإصلاح. فالصوت الانتخابي يكتسب قيمته الحقيقية عندما يقترن ببرنامج واضح، ومحاسبة دورية للممثلين، ومشاركة مستمرة في النقاش العام.
ومن هنا، فإنّ تمكين الانتشار لا ينبغي أن يُختزل في تسهيل الاقتراع، بل أن يشمل إشراكه في النقاش حول مستقبل الاقتصاد، وإصلاح المؤسسات، واستقلال القضاء، واستعادة الثقة بالقطاع المصرفي، وتحديد المسؤوليات عن الانهيار المالي. فالمغترب الذي يُطلب منه أن يشارك في إعادة تكوين السلطة، من حقه أيضاً أن يرى كيف تُترجم خياراته إلى سياسات ونتائج.
الدولة أولاً… وإلا بقيت العودة مؤجلة
في المقابل، كشفت االمقابلات عن ارتباط وثيق بين مستقبل الانتشار ومستقبل الدولة. فحقوق المودعين، والحوافز الضريبية للاستثمار، وبيع الأراضي، والهجرة، والاستقرار الأمني، ليست ملفات منفصلة، بل حلقات في أزمة ثقة أعمق.
المغترب الذي يفكر في استثمار أمواله في لبنان يريد ضمانات قانونية ومالية، والمغترب الذي يفكر في العودة يريد بيئة آمنة ومستقرة، والعائلة التي تخشى بيع أرضها تحت ضغط الأزمة تحتاج إلى ظروف تسمح لها بالاحتفاظ بها من دون أن تتحول الملكية إلى عبء مالي. لذلك، لا يمكن معالجة هذه الملفات بالنداءات العاطفية وحدها، ولا مطالبة اللبنانيين في الخارج بالعودة إلى وطن لا تزال عوامل الطرد منه قائمة.
وفي هذا السياق، ربطت أيوب بين عودة الاستثمارات وبسط سلطة الدولة على كامل أراضيها وحصر السلاح بالمؤسسات الشرعية، فيما شدّد مكرزل على أولوية بناء الدولة في ظل التحديات السياسية والأمنية. وعلى اختلاف زوايا المقاربة، فإنّ الرسالة المشتركة واضحة: لا استثمار مستداماً من دون استقرار، ولا استقرار طويل الأمد من دون مؤسسات موثوقة وقرار سيادي واضح.
لكنّ بناء الدولة لا يقتصر على معالجة الجانب الأمني، مهما بلغت أهميته. فهو يتطلب أيضاً إصلاحاً مالياً وقضائياً وإدارياً، ومحاسبة شفافة، وقوانين قابلة للتطبيق، ومؤسسات لا تتبدّل أولوياتها بتبدّل موازين القوى. فالثقة التي يحتاج إليها المغترب كي يستثمر أو يعود هي نفسها الثقة التي يحتاج إليها المواطن المقيم كي يبقى في بلده.
مبادرة المطران تابت… اختبار يتجاوز الأحزاب
لعلّ من أبرز النقاط، التي استوقفت أيوب وواكيم ومكرزل وأبي عقل ورعد، النقاش المتصل بالمبادرة التي طرحها راعي أبرشية مار مارون في كندا، المطران بول-مروان تابت، لإيجاد إطار يجمع القوى اللبنانية في الانتشار حول قضايا وطنية مشتركة.
فانفتاح واكيم على الفكرة من حيث المبدأ، مع التشديد على ضرورة الاتفاق على التمثيل وآليات اتخاذ القرار، يعكس وجود مساحة ممكنة للتعاون، لكنه يكشف في الوقت نفسه صعوبة الانتقال من المبدأ إلى التنفيذ. فالأحزاب اللبنانية لا تحمل مقاربات متطابقة حيال جميع الملفات، ولا سيما القضايا الخلافية المرتبطة بالسلاح وشكل الدولة والعلاقة بين مكوناتها.
غير أنّ هذه الاختلافات لا ينبغي أن تكون حكماً مسبقاً على فشل أي مبادرة. فالتعاون لا يستلزم توحيد البرامج الحزبية، ولا إنشاء قيادة سياسية جديدة، بل يتطلب تحديد القضايا التي يمكن الاتفاق عليها، ووضع قواعد تمنع الخلاف من تعطيل العمل المشترك.
ومن هنا، يمكن أن تبدأ المبادرة بشرعة مختصرة للثوابت الوطنية، تتناول سيادة لبنان، ودعم مؤسساته الشرعية، واحترام الدستور والحريات، وحماية حقوق المغتربين، وتعزيز العلاقات اللبنانية ـ الكندية، على أن تترك لكل حزب حرية التعبير عن موقفه في المسائل التي لا تحظى بإجماع.
أما دور الكنيسة، فيمكن أن يكون توفير مساحة للحوار وتشجيع التواصل، من دون الدخول في المنافسة الحزبية أو التحول إلى مرجعية سياسية. فنجاح المبادرة لا يُقاس بعدد الصور الجماعية أو التواقيع، بل بقدرتها على إنتاج مواقف مشتركة ومتابعتها أمام المؤسسات الكندية واللبنانية.
الهوية ليست أرضاً فقط… بل دولة تحمي الارتباط بها
في موازاة السياسة والانتخابات، حضرت قضية بيع الأراضي والهجرة بوصفها وجهاً آخر للأزمة. فالحديث عن خسارة الممتلكات في بعض المناطق اللبنانية لا يتعلق بالسجلات العقارية وحدها، بل بالخوف من تراجع ارتباط الأجيال الجديدة بأرض الأجداد، وباحتمال تحوّل الأزمة الاقتصادية إلى تغيير اجتماعي وديموغرافي يصعب تدارك نتائجه.
لكنّ حماية الأراضي لا يمكن أن تقوم على التخويف أو على تحميل العائلات المثقلة بالأعباء مسؤولية خيارات تفرضها عليها ظروفها. المطلوب هو توفير بدائل عملية، من خلال مبادرات شفافة للمساعدة، وتشجيع الاستثمار المنتج، وتسهيل بقاء السكان في مناطقهم، وإتاحة فرص اقتصادية تضمن ألا يضطر أحد إلى التخلي عن ملكيته تحت ضغط الحاجة.
والأمر نفسه ينطبق على الأجيال اللبنانية المولودة في كندا. فالحفاظ على الهوية لا يتحقق عبر استعادة الذكريات في المناسبات وحدها، بل من خلال نقل اللغة والتراث والعلاقة بلبنان إلى الشباب، ومنحهم في الوقت نفسه مساحة للمشاركة في المجتمع الكندي الذي يشكّل جزءاً أساسياً من حياتهم ومستقبلهم.
وهنا تحديداً تبرز مسؤولية المؤسسات الحزبية والكنسية والثقافية، وهي أن تجعل الانتماء إلى لبنان علاقة حيّة ومتجددة، لا عبئاً عاطفياً ولا امتداداً لانقسامات الداخل.
من الشعار إلى الاختبار
لقد وضع مؤتمر “القوات اللبنانية” في كندا مجموعة من الملفات أمام الانتشار، من المشاركة الانتخابية إلى حقوق المودعين، ومن الاستثمار إلى حماية الأراضي، ومن بناء الدولة إلى إمكان التنسيق بين القوى اللبنانية في الخارج. لكنّ، في اعتقاد المنظّمين، أن جمع هذه الملفات تحت عنوان واحد لا يكفي ما لم يتحوّل إلى خطة عمل قابلة للمتابعة والترجمة العملية.
فالانتشار لا يحتاج فقط إلى من يخاطبه ويطلب دعمه، بل إلى مؤسسات لبنانية تصغي إليه، وأحزاب تحاسَب على التزاماتها، وقنوات تتيح له متابعة القضايا التي تعنيه. كما يحتاج إلى تجاوز النظرة التي تختصر دوره في عدد الأصوات التي يستطيع إضافتها إلى هذا الفريق أو ذاك.
والأهم أنّ الصوت الاغترابي، مهما بلغت قوته، لا يمكن أن يعوّض غياب الإصلاح في الداخل. فالتغيير يبدأ من صناديق الاقتراع، لكنه لا ينتهي عندها؛ بل يتطلب دولة قادرة على تحويل الخيارات الشعبية إلى سياسات، وعلى حماية الحقوق، واستعادة الثقة، وتوفير شروط الحياة الكريمة.
من هنا، فإنّ التحدي الحقيقي أمام الانتشار اللبناني ليس أن يثبت أنّه قادر على التأثير في لبنان، بل أن يضمن ألّا يبقى هذا التأثير موسمياً أو محصوراً في مصلحة حزب بعينه. وعندما تتمكن القوى اللبنانية في كندا من الاتفاق على الحد الأدنى من الثوابت، والتعاون في القضايا المشتركة، ومخاطبة المؤسسات الكندية بلغة مهنية موحدة حيث يلزم، يصبح في إمكانها الانتقال من التفاعل مع أزمات لبنان إلى المساهمة الفعلية في معالجتها.
فالانتشار يستطيع أن يكون قوة تغيير، لكنّ التغيير الذي يستحقه لبنان لا يُقاس بعدد الأصوات التي تأتي من الخارج، على أهميتها، بل بقدرته على بناء دولة تجعل أبناءه، في الداخل والخارج، شركاء في مستقبلها لا مجرد شهود على أزماتها.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


