ها هي الاسباب الحقيقية لاستبعاد فرنسا من الشرق الاوسط

Last Updated: أكتوبر 10, 2026Categories: أخبار لبنان

الحدث-كندا

دراسة وتحليل

Raouf Najm

حين استُبعدت فرنسا من المحادثات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن في أبريل/نيسان 2026، ظهر الخلاف أعمق من مجرد خلاف على مكان الجلوس إلى طاولة التفاوض. إسرائيل أرادت مفاوضات مباشرة بوساطة أميركية، وواشنطن تولّت إدارة المسار، بينما تمسكت باريس بدور سياسي وأمني في لبنان، مستندة إلى علاقاتها التاريخية به وحضورها في قوات «اليونيفيل».

كان الموقف الإسرائيلي واضحاً في تصريح سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، يحيئيل لايتر، الذي قال إن بلاده تريد إبعاد فرنسا عن المفاوضات، واعتبر أن باريس لا تؤدي دوراً إيجابياً. كما ربطت تقارير صحفية التوتر بغضب إسرائيل من اعتراف فرنسا بدولة فلسطين في سبتمبر/أيلول 2025، وبانتقادات ماكرون للحرب في غزة ولمواقف إسرائيل في لبنان.

كواتريم: خلاف اليوم له جذور أقدم

في مقاله «ماكرون وإسرائيل: شياطين كي دورسيه القديمة»، المنشور في مجلة ماريان في 8 أكتوبر/تشرين الأول 2026، يقدّم الصحفي الفرنسي جان كواتريم تفسيراً تاريخياً لهذا التباعد. ويرى أن الدبلوماسية الفرنسية حملت طويلاً ما يسميه «السياسة العربية»، وأن هذا الإرث أبقى باريس في نظر إسرائيل أقرب إلى تبنّي المواقف العربية والفلسطينية منها إلى فهم أولوياتها الأمنية. وهذه أطروحة الكاتب وقراءته السياسية، وليست حقيقة متفقاً عليها أو تفسيراً رسمياً إسرائيلياً.

ويستشهد كواتريم بتحول العلاقات بعد عودة شارل ديغول إلى الحكم، وبخطاب ديغول عام 1967، ثم بدعم فرنسا ياسر عرفات للوصول إلى منبر الأمم المتحدة عام 1974، ومعارضتها اتفاقات كامب ديفيد عام 1978. ويربط هذه المحطات بتراجع الثقة بين باريس وإسرائيل، وبابتعاد فرنسا عن مركز التأثير في المفاوضات الإقليمية.

أما في السنوات الأخيرة، فيرى كواتريم أن مواقف ماكرون عززت الشكوك الإسرائيلية: فقد اقترح في أكتوبر/تشرين الأول 2023 توسيع مهمة التحالف ضد «داعش» لتشمل حماس، ثم طالب إسرائيل بوقف قصف المدنيين في نوفمبر/تشرين الثاني. وفي سبتمبر/أيلول 2025 اعترفت فرنسا بدولة فلسطين، قبل أن يندد ماكرون بالحرب في غزة أمام الأمم المتحدة. ويرى الكاتب أن تراكم هذه المواقف جعل إسرائيل تشكك في حياد باريس عندما يتعلق الأمر بمفاوضات تمس أمنها.

باريس: سيادة لبنان ودعم مؤسساته

تقول فرنسا إن هدفها دعم سيادة لبنان وتقوية مؤسساته، ولا سيما الجيش اللبناني، مع معالجة ملف سلاح حزب الله بواسطة الدولة اللبنانية. وتخشى باريس أن يؤدي الضغط العسكري أو نزع السلاح بالقوة إلى مواجهة داخلية تهدد الاستقرار اللبناني. كما تستند إلى دورها في «اليونيفيل» وإلى مساهمتها في ترتيبات وقف إطلاق النار عام 2024.

وفي أبريل/نيسان 2026، قال ماكرون إن فرنسا ستساعد لبنان على التحضير للمفاوضات حتى من دون مشاركة مباشرة فيها. ثم استضافت باريس في سبتمبر/أيلول الرئيس اللبناني جوزاف عون، وأعدّت مؤتمراً لدعم الجيش وقوى الأمن الداخلي. ويكشف ذلك عن إصرار فرنسي على البقاء حاضرة في الملف، حتى بعدما استُبعدت من قناة التفاوض الأساسية.

واشنطن: إدارة المسار من مركز القوة

اختارت الولايات المتحدة أن تقود التفاوض مباشرة بين بيروت وتل أبيب. عُقدت المحادثات في واشنطن، ثم أُعلن في يونيو/حزيران عن اتفاق إطار بوساطة أميركية، ركّز على وقف إطلاق النار وانسحاب إسرائيل تدريجياً مقابل نزع سلاح حزب الله. وفي بيانها عن الاجتماع الثلاثي، أعلنت واشنطن دعمها لمفاوضات إضافية ولجهود الحكومة اللبنانية لاستعادة احتكار الدولة للسلاح وتقليص نفوذ إيران.

يمكن فهم الموقف الأميركي بوصفه رغبة في امتلاك قناة تفاوض مباشرة، تتحكم واشنطن بإيقاعها وبالضغط الذي تمارسه على الطرفين. وفي حسابها، يرتبط أمن إسرائيل بنزع سلاح حزب الله وتقوية الدولة اللبنانية. أما باريس، التي تدعو إلى دور أوسع للجهات الدولية وتطرح ضمانات تتصل بالانسحاب والسيادة، فقد تُربك الصيغة الأميركية التي تقوم على مفاوضات ثنائية تقودها واشنطن. هذا استنتاج من بنية المسار ومواقفه المعلنة، لا إعلان أميركي صريح بأن فرنسا استُبعدت لهذا السبب وحده.

إسرائيل: الأمن أولاً ورفض الوسيط المنتقد

ترى إسرائيل أن الأولوية هي منع حزب الله من إعادة بناء قدراته، وتأمين حدودها الشمالية. لذلك تتمسك بحرية مواصلة العمليات، وتضغط على الدولة اللبنانية لنزع سلاح الحزب. ومن منظورها، قد تبدو باريس شريكاً أقل ملاءمة للوساطة، لأنها تنتقد العمليات الإسرائيلية، وتطالب بانسحاب القوات واحترام السيادة اللبنانية، وتدافع عن معالجة ملف حزب الله عبر المؤسسات اللبنانية.

هذا التباين يفسر جانباً من رفض إسرائيل الدور الفرنسي: باريس تركز على التوازن الداخلي اللبناني وخطر الانزلاق إلى صدام أهلي، فيما تركز إسرائيل على إزالة التهديد الأمني وتحتفظ لنفسها بهامش عسكري. وقد وثّقت لوموند أن إسرائيل استبعدت فرنسا من المفاوضات، وأن سفيرها وصف باريس بأنها لا تؤدي دوراً إيجابياً؛ كما أشارت إلى أن باريس وإسرائيل تختلفان حول توقيت نزع سلاح حزب الله والوسائل الكفيلة بتحقيقه.

لبنان بين ثلاث رؤى

تتقاطع قراءة كواتريم للتاريخ مع الوقائع الدبلوماسية الراهنة في نقطة أساسية: الثقة السياسية تؤثر في اختيار الوسطاء. لكن استبعاد فرنسا لا يمكن تفسيره بإرث تاريخي وحده. فهناك خلاف مباشر حول فلسطين وغزة، واختلاف في تعريف أمن إسرائيل، وتنافس على من يملك إدارة المفاوضات والضغط على الأطراف.

فرنسا تريد حماية دور الدولة اللبنانية ومنع انهيار التوازن الداخلي. إسرائيل تريد ضمان أمنها ونزع سلاح حزب الله، مع الاحتفاظ بحرية التحرك. والولايات المتحدة تمسك بمسار تفاوضي تقوده وتربطه بأهداف أمنية وسياسية أوسع. وفي هذه المعادلة، بقي لبنان الطرف الأكثر حاجة إلى دعم خارجي، والأقل قدرة على فرض شكل المفاوضات أو اختيار الوسطاء.

ملاحظة تحريرية: مقال كواتريم يقدّم وجهة نظر سياسية نقدية تجاه الدبلوماسية الفرنسية. أما المواقف الإسرائيلية والأميركية والفرنسية الواردة هنا فمستندة إلى تصريحات وتقارير عن مفاوضات لبنان وإسرائيل في عام 2026.

المراجع: reuters.com

digital.marianne.net
lemonde.fr

lemonde.fr


 

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني