المطران تابت في ذكرى شهداء “القوات”… لمفاوضات جريئة وصولًا إلى سلام دائم وعادل
الحدث-كندا
اندريه قصاص
ترأس راعي أبرشية مار مارون في كندا المطران بول – مروان تابت الذبيحة الإلهية في كاتدرائية مار مارون في مونتريال في الذكرى الرابعة والأربعين لاستشهاد الرئيس الشيخ بشير الجميل وشهداء “القوات اللبنانية”، وعاونه فيها النائب العام ابرشية صيدا المارونية الخوراسقف مارون كيوان، والنائب العام في الرهبانية اللبنانية المارونية، الرئيس الفخري لجامعة الروح القدس في الكسليك الأب البروفسور جورج حبيقة، والأب جان صفير والأب مارك رحمة.
وشارك في المناسبة القنصل العام للبنان في مونتريال شربل نمر وزوجته السيدة دوللي والشيخ عادل حاطوم ممثل مشيخة عقل الطائفة الدرزية في مونتريال ، والنائبة عن دائرة شوميدي سونا لاخويان، والسيدة ألين ديب، مستشارة بلدية لافال عن دائرة دو مارتان وممثلة رئيس البلدية ستيفان بوييه، وعارف سالم، مستشار بلدية سان لوران ونائب رئيس اللجنة التنفيذية ورئيس جمعية النقل في مونتريال، وراي خليل، مستشار بلدية لافال عن دائرة سان دوروتيه .
كما حضر نائب المنسق العام لمقاطعة كندا القواتية أنطوان ابي نادر، رئيس مكتب “القوات اللبنانية” في مونتريال رشدي رعد، ورئيسة مكتب حزب “الكتائب اللبنانية” السيدة جاكلين طنوس، وجوزف خيرالله رئيس مكتب حزب الوطنيين الأحرار في مونتريال وكيبيك، وعدد من ممثلي المؤسسات والنوادي الاجتماعية.
عظة تابت
بعد الانجيل القى المطران تابت العظة التالية: نجتمع اليوم حول مذبح كاتدرائيتنا، حاملين في صلاتنا الشهيد الشيخ بشير الجميّل، وشهداء القوات اللبنانية، وكل الذين سقطوا دفاعًا عمّا آمنوا به. نصلّي من أجل راحة نفوسهم، سائلين ربّ العلى أن يحتضنهم برحمته، وأن يمنح وطننا لبنان السلام الذي طالما اشتاقت إليه قلوبنا وقلوب كلّ اللبنانيين.
وقد أصبحت هذه الذكرى موعدًا سنويًا نلتقي فيه في مونتريال، نستعيد أسماء من رحلوا ووجوههم وتضحياتهم. غير أنّ الإيمان المسيحي لا يجعل من الذكرى غايةً في ذاتها؛ فالذكرى، في ضوء المسيح القائم من الموت، تتحوّل إلى صلاة، وإلى تأمّل في معنى الحياة والمسؤولية.
حين نتذكّر الذين سبقونا، يُطرح أمام كل واحد منا سؤال جوهري: ماذا نفعل بما وهبنا الله من عمر ووقت وطاقات؟ ولأي شيء نكرّس حياتنا؟ وهل نستطيع أن نحوّل أفراحنا إلى مواساة للآخرين، وآلامنا إلى رجاء، وانقساماتنا إلى مصالحة، ومخاوفنا إلى إيمان؟
إنّ الشهادة، في معناها الأعمق، هي شهادة للحقّ وللكرامة الإنسانية ولما يؤمن به الإنسان. والذين نذكرهم اليوم حملوا قناعاتهم حتى النهاية، ودفعوا ثمنًا غاليًا لما آمنوا به. لذلك، فإن الوفاء الحقيقي لهم لا يقتصر على استعادة أسمائهم أو رفع صورهم، بل يقتضي أن نسأل أنفسنا: هل نحن مستعدون لتحمّل مسؤولية الوطن الذي حلموا به؟ وهل نستطيع، بعد كل ما خسره لبنان، أن نبني دولةً أقوى بالعدالة، وأغنى بالمحبة، وأكثر ابتعادًا عن العنف والثأر؟
من هنا تكتسب صلاتنا اليوم معناها الأعمق، ولا سيما أننا نحتفل أيضًا بعيد ارتفاع الصليب المقدّس. فالصليب يفتح أمامنا طريقًا لفهم الشهادة والتضحية، لا بمنطق تمجيد الموت، بل بمنطق بذل الذات من أجل الحياة.
المسيح على الصليب لا يأخذ حياة أحد، بل يبذل حياته من أجل الآخرين. ولذلك يبقى الصليب المعيار المسيحي الذي نقيس به كل حديث عن التضحية والشهادة: هل تقود التضحية إلى الحياة، أم إلى مزيد من الموت؟ هل تفتح الطريق أمام المصالحة، أم تعمّق الجراح؟ وهل تجعل من ذاكرتنا مسؤوليةً تجاه المستقبل؟
لهذا، فإن تذكّر شهدائنا يقودنا اليوم إلى ثلاث دعوات مترابطة:
• من الذكرى إلى الصلاة: نستحضر الذين رحلوا لا لكي نبقى أسرى الماضي، بل لكي نضعهم أمام رحمة الله، ونصلّي من أجلهم ومن أجل عائلاتهم ومن أجل لبنان.
• من التضحية إلى معنى الصليب: نتعلّم من المسيح أن التضحية المسيحية ليست تمجيدًا للعنف أو للموت، بل بذلٌ للذات في سبيل الحقّ والمحبة وخدمة الإنسان.
• من الموت إلى الحياة: إنجيل يوحنا لا يتوقف عند «الصليب»، بل يربطه بالحياة الأبدية.
إنّ أفضل وفاء لشهدائنا هو أن نحفظ ذاكرتهم من الحقد، وأن نحترم تضحياتهم من دون أن نمجّد الموت، وأن نحمل من الماضي عِبرته من دون أن نرهن له مستقبلنا.
لقد رحلوا، لكن لبنان بقي أمانةً في أعناقنا. ومن مسؤوليتنا أن نجعل من حياتنا عطيةً للآخرين: في خدمة الإنسان، والدفاع عن كرامته، وترسيخ دولة يسود فيها الحق والقانون، وحماية لبنان من أن يعود ساحةً للصراع والانقسام.
ففي عيد ارتفاع الصليب، نتعلّم أن طريق القيامة يمرّ بالصليب، وأن الخلاص قد يمرّ أحيانًا عبر الألم والتضحية، لكن الصليب لا ينتهي بالقبر؛ بل ينفتح على القيامة. وكذلك ينبغي لذاكرتنا أن تكون طريقًا إلى المصالحة، لا سببًا لاستمرار الجراح؛ وجسرًا نحو السلام، لا جدارًا يفصل اللبنانيين بعضهم عن بعض.
ولذلك، ونحن نرفع صلاتنا اليوم من أجل شهداء القوات اللبنانية، نصلّي من أجل كل شهيد، ومن أجل عائلات الشهداء، ومن أجل لبنان وشعبه، ومن أجل كل إنسان لا يزال يحمل في قلبه جرحًا من جراح الحرب.
إنّ المرحلة التي يمرّ بها لبنان تفرض خيارًا لا يحتمل التأجيل: المضيّ قدمًا وبجرأة في مسار المفاوضات مع إسرائيل، وصولًا إلى سلام عادل ودائم.
هذا السلام هو المدخل الطبيعي لانسحاب إسرائيل من الأرضي التي تحتلها، وعودة ابن الجنوب إلى قريته وبيته، وإعادة الأسرى والمفقودين إلى عائلاتهم.
لا إعمار للقرى المدمّرة، ولا نهوض للاقتصاد المنهار، ولا أمن ولا استقرار، إلا بإنهاء حالة الحرب واستعادة الدولة قرار الحرب والسلم وحصر السلاح بيد القوى الأمنية الشرعية. كفى لبنان حروبًا عبثية منذ العام 1969. كفى الجنوب تدميرًا وتهجيرًا وتشريدًا. فهذه الحروب دمّرت الجنوب وحبست لبنان رهينةً لمصالح الآخرين.
الدولة القوية وحدها تفاوض وتحمي وتحرّر وتبني. والسلام هو السلاح الحقيقي لاستعادة السيادة وبناء دولة الحداثة والشفافية.
لنرفع أعيننا دائمًا إلى المسيح القائم من الموت، لأن دعوتنا النهائية ليست إلى البقاء في أسر الذكرى، بل إلى اختيار الحياة؛ ليست إلى توريث الجراح، بل إلى مداواتها؛ وليست إلى إعادة إنتاج الماضي، بل إلى تحويله إلى حكمة ومسؤولية ورجاء.
وهكذا يصحّ قول الإنجيلي يوحنا: “لكي لا يهلك كل من يؤمن به، بل تكون له الحياة الأبدية”.
رئيس قوات مونتريال: نحنا… «أكتر من قوات.نحنا شعب وإرادة.»
بعد ذلك ألقى رعد كلمة قال فيها: نحنا أكتر من قوات، نحنا شعب وإرادة نحنا اشترينا الحياة، دفعنا حقها شهادة.
أهالي شهدائنا الأعزاء، سيدنا،آباءنا الإجلاء ، فضيلة الشيخ، سعادة قنصل لبنان العام بمونتريال، الحضور الكريم، رفيقاتي ورفاقي في حزب القوات اللبنانية…
اليوم نحنا مجتمعين كرمال شهدائنا. والشهيد بالنسبة إلنا مش اسم على لائحة، ولا رقم بين الأرقام، ولا صورة معلّقة على حيط. الشهيد كان إنسانًا عندو أهل، وعندو أحلام، وعندو مستقبل.
كان رفيقنا… عشنا سوا، ناضلنا سوا، خدمنا سوا، وحلمنا سوا بلبنان الدولة.
وبلحظة، هو راح، ونحنا بقينا. وهون بيطلع السؤال الكبير: ليش أنا بقيت… وهو راح؟ ليش نحنا بقينا… وهني راحوا؟ كان ممكن نكون نحنا مطرحه، وكان ممكن يكون هو مطرحنا.
بس الله اختارنا نبقى. وهيدا البقاء مش صدفة، ومش امتياز ولا استحقاق. البقاء أمانة. أمانة رفيق راح، وأمانة قضية آمن فيها، وأمانة وطن دفع من عمره ودمه كرماله. ومن هون، رح أتوجه بكلمة هي لأهالي شهدائنا. لكل إم وبي، لكل زوجة وولد، لكل إخت وخي … منعرف إنو الفراق، مهما كان سببه سامي، بيضل فراق. وبالغربة، الوجع أصعب، لأنكن حاملين هالغياب بعيد عن الأرض اللي ضمّت أحبابكن. تضحياتكم ما كانت أقل من تضحيات الشهيد. هو أعطى حياته، وإنتو عطيتوا عمرًا كاملًا من الصبر، والانتظار، والحنين، والغياب.
ومنقولكن اليوم: نحنا حدّكن. مركز مونتريال عيلتكن التانية. ومنحيّي كمان شهداءنا الأحياء: جرحانا، اللي واجهوا الموت وضلّوا حاملين آثار المعركة بأجسادن.
كل جرح بجسدن وسام شرف، وكل وجع عم يعيشوه بالسكوت هو شهادة يومية بتتجدّد.
وفي شهداء أحياء كمان… كل رفيق ورفيقة خسروا رفيق نضال، وحملوا جرحه بقلبهن، وحملوا أمانته وكفّوا الطريق هيدا كمان شكل من أشكال الشهادة. ولهيدا، الوفاء للشهيد مش بس إنو نتذكّرو مرة بالسنة. الوفاء مش بس صورة، ولا إكليل، ولا كلمة بقداس. الوفاء إنو نعيش بطريقة تليق بتضحيتو.
إذا هو أعطى حياته… شو أنا عم أعطي؟ إذا هو وقف بوجه الخطر بزمانه…
أنا وين لازم وقف اليوم؟ لأنو تاريخنا مش متحف حنين للماضي. مش قصة منرجع منحكيها، ومنرجع منتركها ورا ظهرنا.
تاريخنا أمانة حيّة، ومسؤولية للمستقبل. كل شهيد ترك وراءه قضية، وترك وراءه موقف، وترك وراءه لبنان أمانة بإيدنا. ولهَيْك قبل بيوم من ـ14 أيلول،
ما فينا إلا ما نتذكّر استشهاد الرئيس الشيخ بشير الجميل،
مؤسس حزب القوات اللبنانية. بشير، يلي تركلنا حلم بكامله 44 سنة مرقوا على استشهاده،
ونحنا بعدنا لليوم عم نستشهد بأقوالو، بأفكارو، وبتضحياتو. كان حلم وطن. وحلم الوطن، ما بيموت باستشهاد صاحبو. ومن هون، منطلع من استذكار الشهداء إلى مسؤوليتنا اليوم.
خطاب رئيس الحزب الدكتور سمير جعجع الأخير ما كان مجرد خطاب بذكرى الشهداء. كان رسم واضح لخريطة الطريق للمرحلة الجايي، تحت عنوان كبير وواضح:
فجر السيادة. فجر السيادة مش مجرد شعار. هو قرار، ومسؤولية، وطريق. طريق لبنان الدولة، لبنان الحر، لبنان السيد على أرضه وقراره. ونحنا منعرف شو دفعت القوات كرمال هالسيادة.
اندفع ثمنها دم، وتضحيات، وأعمار، وآلام. ولهيدا…ما رح نقبل بنص سيادة. ما رح نقبل بنص دولة. وما رح نقبل إنو لبنان يكون سيد بمحل، ومسلوب القرار بمحل تاني. بدنا لبنان كامل السيادة.
لبنان الدولة القادرة، لبنان الحر، لبنان اللي استشهدوا رفاقنا كرماله. وهيدا هو العهد اللي منحملو اليوم. إنو ما ننسى، وما نتراجع، وما نضيّع الأمانة.
لأنو الشهداء ما تركولنا ذكرى وبس. تركولنا إرادة. تركولنا قضية. وتركولنا لبنان أمانة. منرفع راسنا بشهدائنا، منحني راسنا قدّام أهلن، ومنوقف حدّ جرحانا وشهدائنا الأحياء.
ومنقول لكل رفيق حمل جرح رفيقو: أمانتكن بأمانون حنا… «أكتر من قوات.نحنا شعب وإرادة.»
نحنا اخترنا الحياة، دفعنا ثمنها شهادة.المجد والخلود لشهدائنا الأبرار.
الوفاء لأهل شهدائنا.التحية لجرحانا وشهدائنا الأحياء.
والعهد… إنو نبقى أوفياء.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني










