شربل مخلوف… حين يحمل لبنان إلى العالم
الحدث-خاص
رؤوف نجم
قديسٌ خرج من لبنان إلى العالم، يحمل حقيبة «غلادستون» الطبية، لا دواء فيها سوى مسبحة الوردية وصلاة «أبو دقشتو»، ويجول حيث يجول اللبنانيون وأصدقاؤهم ومضيفوهم في أصقاع الأرض. إنّه شربل مخلوف، الراهب الذي تجاوز اسمه حدود بلدته ووطنه وكنيسته، ليصبح رفيقاً للمتألّمين وملاذاً للباحثين عن الرجاء.
احتفلنا بعيده أمس الأحد، في التاسع عشر من تموز، وهو الأحد الثالث من الشهر والقريب من ذكرى سيامته الكهنوتية في الثالث والعشرين من تموز عام 1859، وذلك في أرض القديس شربل في سان جوليان، بضواحي لافال في مقاطعة كيبيك.
يكاد لا يوجد لبناني مسيحي لا يعرف شربل مخلوف أو لم يذكر اسمه في صلاة أو ضيق. وكثيراً ما يمتد حضوره إلى غير المسيحيين وغير اللبنانيين أيضاً. يلجأ إليه الناس طالبين شفاعته لدى صديقه يسوع، وحين تشتد المحنة وتبدو الحلول بعيدة، يطلب شربل، في مخيلة المؤمنين وصلواتهم، معونة مريم كي تتدخّل لدى ابنها، الذي لا يردّ طلباً لأمّه. فكيف إذا اجتمعت شفاعة شربل وحنان مريم؟ عندها يبدو الأمر، بلغة اللبنانيين المحبّبة، وكأنهما يشكّلان معاً «مجموعة ضغط سماوية» لاستنزال نعمة صعبة المنال، أو تكاد تبدو مستحيلة في نظر البشر.
وكما في كل عام، عبقت أرض القديس شربل برائحة البخور، وارتفعت في أرجائها أصوات المرتّلين بالترانيم المارونية. ومنذ ساعات الصباح، استمر توافد المؤمنين لحضور القداس، غير عابئين بمخاوف تقلّبات الطقس، ولا حتى بانتظار المباراة النهائية لكرة القدم.
امتدّ صف السيارات على مسافة قاربت الكيلومترين قبل مدخل الأرض، وأنا شاهد على ذلك. كان برفقتي الدكتور إبراهيم الغريب وزوجته الفاضلة جوسلين الحاج، التي أصرّت على الحضور بإيمان واضح، وكأنها أرادت أن تحج إلى أرض القديس لتشكره على نعمة خاصة احتفظت بسرّها في قلبها. ولم تكن وحدها. فأنا أعتقد، من دون أدنى شك، أن كل من حضر إلى ذلك المكان كان يحمل في داخله قصة لا يعرفها الآخرون: شخص جاء ليشكر على نعمة، وآخر ليطلب شفاءً أو فرجاً، وثالث ليجد في الصلاة عزاءً وطمأنينة. وبعضهم ربما جاء فقط ليستريح للحظات من ضجيج الحياة، ويتّحد بالله في بقعة باتت تمنح زائريها سكينة روحية يصعب وصفها بالكلمات.
لقد أصبحت أرض القديس شربل في كيبيك أكثر من مكان لإقامة قداس سنوي. صارت موعداً روحياً يجمع اللبنانيين ومن يحبون لبنان، ويربطهم بوطن ابتعدوا عنه من دون أن يبتعد عنهم. وفي الأحد الثالث من كل تموز، تتحول تلك البقعة إلى ما يشبه «أرض ميعاد» صغيرة، يلتقي فيها الإيمان بالحنين، وتلتقي الذاكرة بالرجاء.
هنا، بعيداً آلاف الكيلومترات عن عنّايا وبقاعكفرا، يشعر اللبناني بأن شربل لم يبقَ في لبنان، بل حمل لبنان معه وخرج به إلى العالم. لم يحتج إلى منبر ولا إلى خطاب، ولم يحمل سوى صمته وصلاته ووجهه المتقشّف. ومع ذلك، وصل إلى قلوب لم تصل إليها السياسة، وجمع حوله أناساً فرّقتهم الطوائف والأوطان واللغات.
ربما كانت هذه أعظم معجزاته المستمرة: أن يجعل من لبنان، ولو لساعات قليلة، وطناً للصلاة لا ساحة للخلاف، وأن يذكّر أبناءه المنتشرين في الأرض بأن لهم في السماء صديقاً اسمه شربل.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني









