ترامب يستدعي العسكريين: لا سلام على الورق قبل ضبط الأرض
الحدث-كندا
رؤوف نجم
قررت إدارة الرئيس الاميركي دونالد ترامب الانتقال من التفاوض السياسي إلى التفاصيل الأمنية والانتشار الميداني. فبعد جولات واشنطن التي جمعت دبلوماسيين وسفراء، بدا واضحاً أن الكلام عن وقف النار، والسلام، ونزع سلاح حزب الله، لا يكفي إذا بقي الجنوب مفتوحاً على الغارات والمسيّرات والصواريخ والاشتباك اليومي. لذلك جاء القرار الأميركي بدعوة عسكريين لبنانيين وإسرائيليين إلى اجتماع في البنتاغون في 29 أيار/مايو، قبل استئناف المسار السياسي في وزارة الخارجية الأميركية يومي 2 و3 حزيران/يونيو.
هذه الخطوة تكشف أن واشنطن تريد ان تتحول المفاوضات من دبلوماسية الى الاتفاق تقنياً على التفاصيل . الإدارة الأميركية تريد أن تعرف، بالأرقام والخرائط وخطوط الانتشار، كيف يمكن تثبيت وقف النار، ومن يضمن الحدود، وأين ينتشر الجيش اللبناني، وما الذي تريده إسرائيل كي تشعر أن شمالها لم يعد تحت تهديد حزب الله. وفي المقابل، ما الذي يستطيع لبنان أن يطلبه قبل أي حديث عن ترتيبات طويلة الأمد: وقف الضربات، انسحاب إسرائيلي واضح، واحترام سيادته على أرضه.
الاجتماع العسكري المرتقب لا يهدف إلى إنتاج اتفاق سلام فوري. وظيفته أضيق وأخطر في الوقت نفسه: وضع الهيكل الأمني لأي اتفاق سياسي لاحق. فكل تفاوض سياسي بين لبنان وإسرائيل يبقى معلقاً إذا لم تُحسم المسائل الميدانية: من ينسحب؟ من يراقب؟ من يبلغ عن الخروقات؟ كيف تُمنع العودة إلى الاشتباك؟ وهل يمكن منع حزب الله من إعادة التموضع جنوب الليطاني من دون دفع لبنان إلى انفجار داخلي؟
من هنا تأتي حساسية إدخال العسكريين إلى غرفة التفاوض. فالسياسي يستطيع أن يتحدث عن السيادة والتهدئة والسلام، أما العسكري فيسأل عن الأرض: التلال، القرى، نقاط المراقبة، الطرقات، خطوط النار، مدى الصواريخ، وقدرة المسيّرات على تجاوز الدفاعات. واشنطن تريد من الطرفين أن يترجما العناوين الكبرى إلى إجراءات: قناة اتصال، آلية تنسيق، خريطة انتشار، وربما صيغة مراقبة تمنع أي حادث حدودي من التحول إلى حرب جديدة.
إسرائيل تدخل هذا المسار بعين ثابتة على الشمال. بالنسبة إلى المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، المشكلة لم تعد فقط في وقف إطلاق النار، بل في ضمان عدم عودة حزب الله إلى الوضع الذي سبق الحرب. المطلوب إسرائيلياً هو إبعاد الحزب عن الحدود، تجفيف بنيته جنوباً، ومنع الصواريخ والمسيّرات من إبقاء الجليل تحت التهديد. لذلك تتحدث القراءة الإسرائيلية عن “تحييد” حزب الله، لا عن تهدئة شكلية.
لكن السؤال الأصعب هو: هل تستطيع إسرائيل تحييد حزب الله فعلاً؟
الجواب، حتى في النقاش الإسرائيلي نفسه، ليس بسيطاً. تستطيع إسرائيل ضرب الحزب، اغتيال قياداته، تدمير مخازن ومواقع، ورفع كلفة أي هجوم على الشمال. لكنها تعرف أيضاً أن القوة الجوية وحدها لا تنهي تنظيماً مسلحاً متجذراً في بيئة لبنانية وإقليمية معقدة. فآخر صاروخ وآخر مسيّرة لا يسقطان بالضرورة في حرب واحدة، ولا يمكن تأمين الشمال إلى الأبد من خلال الغارات وحدها. لذلك يعود العسكريون الإسرائيليون، ولو من باب الضرورة، إلى فكرة الترتيب السياسي ـ الأمني: ضغط عسكري، ضمانة أميركية، دور أكبر للدولة اللبنانية، وحصار لقدرة حزب الله على إعادة بناء قوته.
أما لبنان، فيدخل الاجتماع من موقع بالغ الدقة. فهو مطالب أميركياً وإسرائيلياً بإثبات قدرة الدولة على الإمساك بالجنوب، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع أن يظهر كطرف يتلقى الشروط تحت النار. أي تفاهم لا يبدأ بوقف الاعتداءات الإسرائيلية وانسحاب واضح من الأراضي اللبنانية سيصطدم سريعاً بالداخل اللبناني. وأي اقتراب غير محسوب من ملف سلاح حزب الله قد يفتح أزمة داخلية أخطر من الأزمة الحدودية نفسها.
لذلك سيكون اجتماع البنتاغون امتحاناً لاجتماع الخرائط قبل اجتماع النوايا. فإذا نجح العسكريون في رسم قواعد اشتباك جديدة، وضمانات انتشار، وآلية مراقبة مقبولة، فقد يجد السياسيون في حزيران أرضية يتقدمون عليها. أما إذا حضر كل طرف إلى الطاولة ومعه سقفه الأعلى فقط، فستبقى واشنطن تدير هدناً مؤقتة، وسيبقى الجنوب اللبناني عالقاً بين الغارة والوساطة.
الأهم أن إدارة ترامب تبدو كأنها تريد اختصار الطريق: لا مفاوضات سياسية جدية من دون جواب أمني واضح. لا وقف نار ثابت من دون ترتيبات على الأرض. ولا حديث عن سلام، أو حتى تهدئة طويلة، إذا بقي شمال إسرائيل رهينة تهديد حزب الله وبقي جنوب لبنان رهينة الرد الإسرائيلي.
في هذا المعنى، اجتماع 29 أيار سينقل المفاوضات من الدبلوماسية المعلنة العامة إلى سؤال السيطرة الفعلية على الأرض. ومن يملك الأرض، في الجنوب، يملك مستقبل التفاوض كله.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


