بين عاصفة باراك وقلق إسرائيل: هل منحت واشنطن حزب الله نفساً معنوياً؟

Last Updated: أبريل 29, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان, كتاب الموقع
الحدث-كندا

Raouf Najm

لم تمرّ تصريحات توم باراك على فوكس نيوز  في 17 و 22 نيسان عبور الكرام. العاصفة بدأت من عبارتين أثارتا حساسية إسرائيلية وأميركية واسعة. وصفه باراك وقف النار بين إسرائيل وحزب الله بأنه “استراحة” أو “بداية طريق”، وقوله إن “الجميع كانوا غير موثوقين بالقدر نفسه”. ثم جاءت العبارة الأكثر إثارة للجدل حين قال إن المطلوب إيجاد “طريق مع حزب الله”، وأن هذا الطريق لا يقوم على “قتل حزب الله”.

منتقدو باراك رأوا في الكلام مساواة غير مقبولة بين إسرائيل، الحليفة الأساسية للولايات المتحدة، وتنظيم تصنفه واشنطن إرهابياً. أما باراك، ففي رده على فوكس نيوز، حاول إعادة ضبط المعنى. قال إن موقف واشنطن من حزب الله لم يتغيّر، وإن الحزب ما زال في خانة التنظيم الإرهابي، وإن كلامه يعكس واقعية في قراءة الشرق الأوسط، لا تراجعاً عن سياسة الضغط على الحزب.

لكن المسألة لا تقف عند نية باراك. في السياسة، الأثر أحياناً أخطر من القصد. حزب الله يستطيع أن يلتقط هذه العبارات ويحوّلها إلى مادة تعبئة داخلية. حين يسمع الحزب موفداً أميركياً يقول إن الطريق لا يكون “بقتل حزب الله”، يمكنه أن يقدّم ذلك لجمهوره كاعتراف أميركي ضمني بأن القضاء عليه عسكرياً غير ممكن. وهذه، حتى لو لم تكن رسالة واشنطن الحقيقية، تمنح الحزب جرعة معنوية في لحظة ضغط عسكري وسياسي واقتصادي.

هنا تكمن خطورة الكلام. فحزب الله لا يحتاج دائماً إلى انتصار عسكري كي يشدد مواقفه. يكفيه أحياناً أن يجد في كلام خصومه إشارة قابلة للتوظيف. عبارة باراك قد تمنحه فرصة للقول إن إسرائيل لم تستطع فرض شروطها بالقوة، وإن واشنطن نفسها تبحث عن مسار سياسي معه أو حوله. وهذا قد يدفعه إلى رفع سقف التفاوض، أو التمسك بسلاحه أكثر، أو رفض أي صيغة تظهره كطرف مهزوم أمام الدولة اللبنانية أو إسرائيل.

إسرائيل قرأت هذا الاحتمال سريعاً. من زاوية تل أبيب، أي كلام يوحي بأن حزب الله باقٍ كحقيقة سياسية ـ عسكرية يصعب كسرها، يمنحه وقتاً ومساحة. إسرائيل لا تريد مساراً يفسَّر داخل لبنان على أنه إنقاذ معنوي للحزب. تريد نتيجة أمنية يمكن قياسها: إبعاد الحزب عن الحدود، وقف المسيّرات، منع الصواريخ، تفكيك البنية العسكرية، واحتفاظها بحق الرد عندما ترى تهديداً مباشراً.

بالنسبة إلى إسرائيل، الخطر لا يكمن في العبارة وحدها. الخطر في أن تتحول العبارة إلى سقف تفاوضي جديد لدى حزب الله. فإذا اعتبر الحزب أن واشنطن باتت تخشى انفجار لبنان أكثر مما تضغط لنزع سلاحه، فقد يستنتج أن الوقت يعمل لمصلحته. وقد يقول لنفسه إن الضغط الأميركي سيبقى مضبوطاً حتى لا تنهار الدولة اللبنانية، وإن إسرائيل ستواجه حدوداً سياسية إذا وسّعت الحرب. هذا النوع من القراءة قد يجعله أكثر تصلباً.

توم باراك ينطلق من حساب مختلف. هو يرى أن تفكيك نفوذ حزب الله بالقوة وحدها قد يدفع لبنان إلى مواجهة داخلية خطيرة. لذلك يتحدث عن ضغط متدرج: سلطة لبنانية أقوى، جيش أكثر حضوراً، مراقبة دولية أوضح، عقوبات مالية أعمق، ومسار يمنع العودة إلى الحرب. في منطقه، المطلوب أن تستعيد الدولة اللبنانية القرار الأمني خطوة بعد خطوة، لا أن تُدفع إلى مواجهة داخلية مفتوحة قد تخسرها أو تدفع البلاد ثمنها.

هذا هو جوهر التباين. باراك يريد إدارة الأزمة بطريقة تمنع انفجار لبنان. إسرائيل تريد ضمانات سريعة تمنع حزب الله من استغلال الوقت. حزب الله، من جهته، قد يحاول الاستفادة من التباين بين المقاربتين. فهو يدرك أن واشنطن لا تريد حرباً أهلية لبنانية، ويدرك أن إسرائيل لا تريد العودة إلى شمال مهدد، ويدرك أن الدولة اللبنانية لا تملك حتى الآن القدرة الكاملة على فرض قرارها في الجنوب. بين هذه الحسابات، يتحرك الحزب باحثاً عن هامش جديد.

لبنان يقف هنا أمام امتحان بالغ الخطورة. إذا بقيت الدولة بطيئة ومترددة، سيتحول كلام باراك إلى ورقة في يد حزب الله. وإذا اكتفت بيروت بالتصريحات عن السيادة من دون خطوات أمنية واضحة، ستزداد شكوك إسرائيل، وستجد تل أبيب مبرراً لمواصلة ضرباتها. وإذا تعاملت القوى اللبنانية مع كلام باراك كضمانة مجانية للتهدئة، فستكون قد أساءت قراءة اللحظة.

المطلوب من الدولة اللبنانية واضح ومحدد: انتشار جدي للجيش في الجنوب، ضبط المعابر والمسالك، منع إعادة بناء المواقع العسكرية، توثيق الخروقات، مصادرة السلاح الظاهر خارج سلطة الدولة في منطقة العمليات، وإعلان جدول عملي لاستعادة القرار الأمني. هذه الخطوات وحدها تسحب من حزب الله فرصة استثمار كلام باراك. السيادة هنا لا تُثبت بالبيانات، بل بالقدرة على الإمساك بالأرض.

في المقابل، على إسرائيل أن تدرك أن الضغط العسكري المفتوح قد يمنح حزب الله مادة دعائية إضافية. كل ضربة توقع مدنيين أو مسعفين أو جنوداً لبنانيين تساعد الحزب على إعادة تقديم نفسه كقوة مقاومة، وتضعف القوى التي تريد حصر السلاح بيد الدولة. إسرائيل تحتاج إلى ضمانات أمنية، لكنها تحتاج أيضاً إلى دولة لبنانية قادرة على الوقوف أمام الحزب. إضعاف هذه الدولة يخدم الحزب أكثر مما يضعفه سياسياً.

من هنا، اصبح كلام باراك سيفا ذا حدين. من جهة، هو محاولة أميركية لفتح طريق واقعي يمنع الحرب الشاملة. ومن جهة ثانية، هو كلام يمكن أن يقرأه حزب الله كإقرار بحجم قوته وصعوبة كسره. هذا لا يعني أن واشنطن منحت الحزب شرعية. لكنه يعني أن الحزب قد يحاول تحويل الواقعية الأميركية إلى مكسب معنوي.

توضيح باراك لتصريحاته لم تغيّر السياسة الأميركية تجاه حزب الله، لكنها قدأثرت في حسابات الحزب النفسية والسياسية. واشنطن  تضغط  وإسرائيل ما زالت ترى فيه تهديداً مباشراً، والدولة اللبنانية ما زالت مطالبة باستعادة قرارها. غير أن تصريحات باراك  تحولت داخل لبنان إلى رسالة مختلفة تماماً: حزب الله اعتبر إن خصومه يعترفون باستحالة شطبه بالقوة، وإسرائيل ستخشى أن يصبح هذا الاعتراف غير المباشر سبباً لتشدد جديد.

غير ان لبنان لا يملك لبنان رفاهية الغموض. فكل تأخير في بناء سلطة الدولة يمنح الحزب مساحة للمناورة، وكل ضربة إسرائيلية غير محسوبة تمنحه مادة للتعبئة. وحدها الدولة اللبنانية القادرة، الحاضرة على الأرض، تستطيع أن تمنع الهدنة من التحول إلى استراحة قصيرة في طريق حرب أطول.

www.alhadath.ca

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني