انفجار مرفأ بيروت أمام القرار الاتهامي: البيطار يُنهي التحقيق… والعدالة تدخل أخطر مراحلها
الحدث-كندا
Raouf Najm
بعد سنوات من التعطيل والطعون والاشتباك السياسي والقضائي، دخل ملف انفجار مرفأ بيروت مرحلة حاسمة مع ختم المحقق العدلي القاضي طارق البيطار تحقيقاته وإحالة الملف إلى النيابة العامة التمييزية. القضية لم تصل بعد إلى المحاكمة، لكنها باتت أقرب من أي وقت مضى إلى صدور القرار الاتهامي الذي سيحدد من يُحال إلى المجلس العدلي ومن تُمنع المحاكمة عنه.
وصلت قضية انفجار مرفأ بيروت إلى منعطف قضائي بالغ الأهمية في ربيع 2026. فالمحقق العدلي القاضي طارق البيطار أنهى تحقيقاته في نهاية آذار/مارس، بعد مسار طويل تعرّض للتجميد والتعطيل والمواجهة السياسية، وأحال الملف كاملاً إلى النائب العام التمييزي القاضي جمال الحجار لإبداء المطالعة بالأساس. وبحسب ما نشرته وسائل إعلام لبنانية ودولية، يتضمن الملف ادعاءات تطال نحو سبعين شخصاً من مستويات سياسية وأمنية وإدارية وقضائية مختلفة.
هذه الخطوة تعني أن التحقيق العدلي انتقل من مرحلة جمع المعطيات والاستجوابات إلى مرحلة بلورة المسؤوليات القانونية. فالنيابة العامة التمييزية تدرس الملف وتضع مطالعتها، ثم يعاد إلى القاضي البيطار الذي يصدر قراره النهائي، وهو القرار الذي سيحسم مصير المدعى عليهم: إما الإحالة إلى المجلس العدلي، أو منع المحاكمة عن بعضهم إذا لم تتوافر معطيات كافية.
في التعبير القانوني الدقيق، يجري الحديث في هذا النوع من الملفات عن قرار اتهامي ، لأن الملف محال إلى المجلس العدلي، وهو مرجع استثنائي في القضايا التي تمس أمن الدولة أو السلامة العامة. ووفق الشروحات القانونية اللبنانية، للمحقق العدلي صلاحيات واسعة، وقراراته في هذا السياق تكتسب طابعاً مبرماً ولا تُعامل كقرارات عادية قابلة للمراجعة بالطرق التقليدية.
القائمة التي يدور الحديث حولها تضم أسماء بارزة، من بينها رئيس الحكومة السابق حسان دياب، والوزراء السابقون علي حسن خليل وغازي زعيتر ونهاد المشنوق ويوسف فنيانوس، إضافة إلى قادة ومسؤولين أمنيين وعسكريين وإداريين سابقين. كما برزت أسماء مثل اللواء عباس إبراهيم، واللواء طوني صليبا، وقائد الجيش السابق جان قهوجي، ضمن سياق التحقيقات والاستدعاءات والادعاءات التي تراكمت خلال السنوات الماضية. أهمية هذه الأسماء لا تكمن فقط في مواقع أصحابها، بل في السؤال المركزي الذي يلاحق الملف منذ 4 آب 2020: من كان يعلم بوجود نترات الأمونيوم؟ من امتلك صلاحية التحرك؟ ومن تقاعس عن منع الكارثة؟
التحقيق لا يقتصر على الداخل اللبناني. فهناك مسار خارجي مرتبط بالسفينة روسوس التي نقلت شحنة نترات الأمونيوم إلى بيروت عام 2013، قبل أن تُفرغ حمولتها وتُخزّن في المرفأ. المالك المزعوم للسفينة، إيغور غريتشوشكين، وهو روسي ـ قبرصي، أوقف في بلغاريا في أيلول/سبتمبر 2025 بناء على نشرة حمراء من الإنتربول، لكن القضاء البلغاري رفض لاحقاً طلب لبنان تسليمه، مستنداً خصوصاً إلى مسألة عدم كفاية الضمانات المتعلقة بعدم تعرضه لعقوبة الإعدام في لبنان. وفي كانون الثاني/يناير 2026، أكدت محكمة الاستئناف البلغارية رفض التسليم وقررت الإفراج عنه، ما شكّل انتكاسة لمسار الملاحقة الخارجية في الملف.
المرحلة المقبلة هي الأهم. فالمطالعة التي تعدّها النيابة العامة التمييزية قد تستغرق أسابيع أو أشهراً بسبب ضخامة الملف وتعقيداته. بعض التقديرات الإعلامية تحدثت عن إمكان صدور القرار الاتهامي قبل الذكرى السادسة للانفجار في 4 آب/أغسطس 2026، لكن ذلك يبقى مرتبطاً بسرعة إنجاز المطالعة وبقدرة القضاء على تجاوز ما اعتاد هذا الملف أن يواجهه من اعتراضات وضغوط وطلبات رد ومنازعات صلاحية.
وتكمن حساسية القرار الاتهامي في أنه سيكون أول وثيقة قضائية شاملة تحدد خريطة المسؤوليات في واحدة من أكبر الكوارث التي عرفها لبنان. فهو لن يكتفي بسرد ما جرى في العنبر رقم 12، بل سيضع التسلسل القانوني للأفعال والإهمال والقرارات والمراسلات التي سبقت الانفجار. ومن خلاله ستُعرف التهم التي ستوجه رسمياً إلى كل شخص يُحال إلى المجلس العدلي، كما ستُعرف الأسماء التي قد يقرر القضاء عدم محاكمتها إذا لم يجد أساساً كافياً لملاحقتها.
وقعت الكارثة في 4 آب/أغسطس 2020 داخل مرفأ بيروت، بعدما انفجرت كمية ضخمة من نترات الأمونيوم كانت مخزنة بطريقة غير آمنة لسنوات. وقد قُتل في الانفجار 218 شخصاً على الأقل، وأصيب نحو 7 آلاف، وتضررت عشرات آلاف الشقق والمباني، ونزح أكثر من 300 ألف شخص من منازلهم، وفق توثيقات حقوقية ودولية. كما أكد مسؤولون لبنانيون منذ الأيام الأولى أن الشحنة بلغت نحو 2750 طناً من نترات الأمونيوم وكانت مخزنة في المرفأ من دون إجراءات سلامة مناسبة.
قضية المرفأ هي معركة ضد الإفلات من العقاب. وبالنسبة إلى الدولة اللبنانية، هي اختبار لقدرة القضاء على مساءلة مسؤولين كبار في نظام طالما حمى نفسه بالحصانات والتوازنات السياسية. أما بالنسبة إلى الرأي العام، إما أن يتحول القرار الاتهامي المرتقب إلى باب حقيقي للمحاسبة، أو يضاف إلى سجل طويل من الملفات التي اصطدمت بجدران السياسة.
ملف انفجار مرفأ بيروت دخل مرحلته النهائية قبل المحاكمة. التحقيق خُتم، والملف أصبح لدى النيابة العامة التمييزية، والأنظار تتجه الآن إلى القرار الاتهامي. هذا القرار سيحدد من سيقف أمام المجلس العدلي، ومن ستُطوى صفحته قضائياً. وحتى صدوره، تبقى العدالة في منتصف الطريق: أقرب من السابق، لكنها لم تصل بعد.
www.alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني


