خاف المتحاربون من الفاتورة الكارثية فأوقفوا الحرب

Last Updated: أبريل 7, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان, كتاب الموقع

الحدث-كندا

رؤوف نجم

لم يتراجع القتال مع إيران لأن الحكمة انتصرت فجأة، ولا لأن الدبلوماسية استعادت هيبتها، بل لأن النار اقتربت من النقطة التي يصبح عندها الجنون مكلفًا على الجميع. ما حصل كان ارتباكًا دوليًا أمام حرب بدأت تهدد ما هو أبعد من ساحاتها وحدودها.

ليس صحيحًا أن المدافع صمتت لأن العالم عاد إلى رشده. العالم نفسه هو الذي ترك المنطقة أصلًا تتدحرج نحو هذا المنحدر، ثم ارتبك عندما اكتشف أن الحريق لا يعرف كيف يقف عند حدود من أشعلوه أو من شجعوا عليه أو من راهنوا على إدارته من بعيد. وما جرى مع إيران لا يشبه لحظة تسوية بقدر ما يشبه لحظة خوف. خوف أميركي من أن يذهب التصعيد أبعد مما خُطط له. خوف إيراني من أن يتحول الصمود إلى استنزاف مفتوح. خوف دولي من أن تنفجر المنطقة في وجه الاقتصاد العالمي كلّه. لهذا تراجعت النار قليلًا. ليس احترامًا للحياة، بل احترامًا لفاتورة الخراب.

منذ البداية كانت الحرب استعراض إرادات، وعضّ أصابع، وامتحانًا قاسيًا لمن يصرخ أولًا ومن يتراجع أولًا. لكن المشكلة أن هذا النوع من الحروب يملك دائمًا ميلًا خطيرًا إلى الإفلات من حسابات أصحابه. تبدأ على شكل ضغط مضبوط، ثم لا تلبث أن تتحول إلى ماكينة تهديد لا يعود أحد قادرًا على ضبط سرعتها. هذا تمامًا ما حدث عندما اقتربت النار من الممرات البحرية ومن البنى الحيوية ومن شرايين الطاقة. هناك انكشفت الحقيقة دفعة واحدة: الذين تحدثوا طويلًا بلغة القوة اكتشفوا أن للقوة سقفًا، وأن الإمعان فيها قد يفتح بابًا لا يمكن إغلاقه بسهولة.

الولايات المتحدة لم تتراجع لأنها صارت أكثر اعتدالًا. تراجعت لأن لعبة الضغط بلغت الحد الذي قد ينقلب فيه الضغط على صاحبه. حين تقترب الحرب من تعطيل هرمز، لا تعود المسألة مجرد تأديب خصم أو انتزاع تنازل. تصبح مقامرة بسوق النفط، وبحركة التجارة، وباستقرار حلفاء، وباقتصاد عالمي متعب أصلًا. عند تلك النقطة، تفقد العضلات العسكرية شيئًا من بريقها، ويظهر الوجه الحقيقي للسياسة: حساب بارد للخسائر. فجأة، يصبح التباطؤ فضيلة، وتصبح التهدئة المؤقتة إنجازًا، لا لأن أحدًا أحب السلام، بل لأن البديل صار أكثر رعبًا.

وإيران، من جهتها، لم تقبل التهدئة لأنها اقتنعت بمنطق خصومها، بل لأنها تعرف أيضًا أن الحروب الطويلة تلتهم من يرفعون شعارات الصمود كما تلتهم من يلوّحون بالنار من الجو والبحر. هي لا تريد أن تبدو منكسرة، ولذلك ترفض أي وقف إطلاق نار يشبه الإملاء. تريد أن تقول إنها لم تُدفع إلى الزاوية، وإنها لا تدخل إلى تهدئة تُكتب بلغة الآخرين وحدهم. لهذا بدا المشهد كله كأنه شدّ حبل فوق هاوية: واشنطن تريد تجميدًا بشروط القوة، وطهران تريد تهدئة تحفظ لها ما تبقى من صورة الردع. وبين الطرفين، عالم مذعور لا يسأل عن العدالة ولا عن الضحايا بقدر ما يسأل: هل بقي هرمز مفتوحًا أم لا؟

هنا تسقط الأقنعة. فجأة نفهم أن “المجتمع الدولي” الذي يكثر من الكلام عن الاستقرار لا يتحرك عادة حين تُدك المدن أو ينهار البشر، بل يتحرك عندما ترتجف الأسواق وتضطرب الشحنات ويظهر خطر حقيقي على النفط والممرات والتوازنات. الدم وحده لا يكفي لاستنفار العالم، أما حين تقترب الحرب من المصالح الكبرى، تتبدل اللغة، وتتحول الدعوات إلى التهدئة من همس إلى أوامر عاجلة. تلك هي الحقيقة القاسية في هذا المشهد: حياة الناس لا توقف الحروب دائمًا، لكن كلفة الحروب على الكبار كثيرًا ما تفعل.

لذلك، من السذاجة التعامل مع ما جرى على أنه انتصار للعقل. العقل كان غائبًا منذ البداية، أو على الأقل كان مؤجلًا إلى أن تلامس النار الأبواب التي يخشاها أصحاب القرار فعلًا. وما نراه اليوم ليس أكثر من هدنة خوف، هدنة مصلحية، هدنة فرضتها رهبة الانفجار الكبير لا قناعة التراجع. كل طرف ما زال ممسكًا بأسبابه، وما زال يفتش عن مخرج لا يبدو فيه ضعيفًا. هذا يعني أن الحرب لم تنتهِ، بل توقفت قليلًا لتبدّل ثيابها. وقد تعود في أي لحظة إذا قرر أحدهم أن شروط المرحلة التالية لا تُكتب إلا بالنار.

في الصفحة الأولى من هذا المشهد، لا يوجد منتصر حقيقي. يوجد فقط لاعبون اقتربوا من الحافة، ثم تراجعوا خطوة لأنهم رأوا الهاوية بوضوح. وهذا بحد ذاته ليس إنجازًا كبيرًا، بل اعتراف متأخر بأن من يعبث بالنار في الشرق الأوسط لا يملك دائمًا ترف تحديد حجم الحريق. فالمنطقة ليست مختبرًا معقمًا، ولا ساحة يمكن تفصيل انفجاراتها على قياس غرف العمليات. إنها مكان إذا اشتعل فعلًا، لا يحترق وحده.

لم يتراجع المتحاربون لأنهم تعبوا من الحرب، بل لأنهم خافوا من ثمنها حين صار أكبر من قدرتهم على الاحتمال. وحين تخاف الحرب من نفسها، فهذا لا يعني أن السلام وُلد، بل يعني فقط أن الجميع رأى الكارثة عن قرب، وقرر تأجيلها قليلًا.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني