ماذا نفعت حروبكم؟
الحدث-كندا
رؤوف نجم
المسيح قام. حقاً قام.
رددناها بالأمس كما نفعل كل سنة، وألحقناها بتمنياتنا المعتادة: أن يقوم لبنان هو أيضاً، وأن يأتي السلام أخيراً إلى هذه البلاد التي تعبت من نفسها ومن الذين لم يتركوا فيها زاوية إلا وأشعلوا فيها ناراً.
كان في العيد ما يستحق الفرح. جمع العائلة، صنع المعمول، قداس العيد، والغداء الذي يحاول كل بيت أن يحمي به ما بقي من معنى الأيام. لكن، وكما في كل مرة، لا يتركنا الواقع نذهب بعيداً في الفرح. هناك دائماً ما يعيدنا إلى الجرح، إلى ذلك الشعور الثقيل بأننا نعيش الأعياد بأجسادنا، فيما قسم كبير منا ما زال عالقاً في خساراته.
الكنائس اللبنانية في مونتريال، كما في مدن كندية أخرى، كانت مكتظة إلى حد لافت. لم يكن المشهد عادياً. آلاف من أبناء لبنان الذي عرفناه. وآلاف من سوريا التي عرفناها قبل الخراب. وآلاف من مصر القديمة، ومن فلسطين القديمة، ومن العراق القديم. فكنائس الاغتراب صارت مخزناً بشرياً لما تبقى من هذا الشرق بعدما عبثت به الحروب، ومزقته الأحقاد، وأكله الاستكبار من داخله ومن خارجه.
بلداننا تغيّرت على الأرض. لم تعد كما كانت، أقله من ناحية ناسها، وتوازنها، وملامحها البشرية. جزء أساسي من نسيجها خرج منها، أو دُفع إلى الخروج، تحت ضغط الحروب والإرهاب والتسلط والانسداد. والسؤال هنا لا يحتاج إلى فلسفة طويلة: ماذا نفعت حروبكم؟ ماذا أعطت هذه الحروب للناس غير المقابر، والمرافئ، والمطارات، وطلبات اللجوء، والحنين الذي لا يشفى؟

أردتموها حرباً على الجميع، تصفية حسابات مع الجميع، وانتقاماً من الجميع. ثم قلتم لنا: لننتظر النهاية. لكن أي نهاية؟ ها نحن أمامها. هذه هي النهاية التي أوصلتمونا إليها: أوطان تتفكك، ومجتمعات تتبعثر، وأجيال تولد بعيداً عن أرضها، وتتعلم أن تتكلم عن بلدها كما لو أنه ذكرى عائلية، لا وطناً حياً يمكن العودة إليه بثقة وطمأنينة.
الأوطان التي عرفناها انتهت، أو تكاد. ما بقي منها معلق في الرؤوس والقلوب والصور القديمة. أما على الأرض، فشيء آخر يتشكل فوق الأنقاض. لذلك صار أبناؤنا موزعين في أنحاء العالم، يحملون أسماء قراهم ومدنهم ولهجاتهم وذكرياتهم، لكنهم يعرفون في قرارة أنفسهم أن المكان الذي خرج منه أهلهم لم يعد هو نفسه، وأن ما تهدّم في البشر أخطر مما تهدّم في الحجر.
ومن المفيد هنا أن نتذكر أن رئيس جمهورية الدومينيكان الحالي يعود بجذوره إلى بسكنتا في لبنان، وأن والده المسيحي هاجر من لبنان منذ زمن بعيد للأسباب نفسها التي ما زلنا ندفع ثمنها حتى اليوم. قد يتبدل حامل البندقية، أو السكين، أو الساطور، أو الصاروخ، لكن العلة واحدة: عجز مزمن عن بناء وطن يتسع لأبنائه، وإصرار دائم على تحويل الاختلاف إلى صراع، والسياسة إلى غلبة، والبلد إلى ساحة.
لهذا، حين ننظر إلى كنائسنا في الانتشار وهي تمتلئ في الأعياد، لا يجوز أن نكتفي بالعاطفة. المشهد جميل، نعم، لكنه موجع أيضاً. لأنه يقول لنا بوضوح إن هذا الشرق يفرّغ نفسه بيده، وإن الذين خاضوا الحروب باسم العقائد والقضايا والكرامات لم يورّثوا الناس إلا الخوف والتشتت والانكسار. لم يبنوا أوطاناً. لم يحموا تنوعاً. لم يصنعوا مستقبلاً. كل ما فعلوه أنهم جعلوا أبناء هذه البلاد يلتقون في قارات بعيدة ليتذكروا معاً ما خسروه.
ماذا نفعت حروبكم؟
نفعت في شيء واحد فقط: أنها أثبتت، مرة بعد مرة، أن السلاح قد يفرض أمراً واقعاً لبعض الوقت، لكنه لا يبني بلداً، ولا يحفظ شعباً، ولا يخلق حياة. وما نراه اليوم في الاغتراب ليس نجاح مهاجرين، انه أيضاً وايضاً سجل اتهام مفتوح ضد كل من شارك، وحرّض، وصفّق، وبرّر، ثم طلب من الناس أن يصبروا أكثر فيما كانت أوطانهم تنزف من تحتهم.
@alhadath.ca@
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

















