لبنان في لحظة ازدواجية القرار: هل بامكانه العودة كما كان؟

Last Updated: مارس 28, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان, كتاب الموقع

الحدث-كندا
لا يحتاج المشهد اللبناني اليوم إلى مبالغة ليبدو خطيرًا. ما يجري يتجاوز حدود جبهة جنوبية مشتعلة أو تصعيد عسكري قابل للاحتواء. لبنان يقف في نقطة فاصلة: بين أن يبقى كما عرفناه—بكل هشاشته—أو أن يدخل طورًا جديدًا، مختلفًا في بنيته ووظيفته ودوره في المنطقة.
المشكلة لم تعد في حجم النار، بل في طبيعتها. لم تعد المواجهة محصورة ضمن قواعد اشتباك غير مكتوبة كما في السنوات الماضية، حيث كانت الضربات محسوبة والرسائل محدودة. اليوم، المشهد مختلف. الغارات تتوسع، العمق يُستهدف، والبنية التحتية لم تعد خارج الحسابات. عندما تُقصف جسور حيوية أو طرق رئيسية في الجنوب، لا يكون الهدف عسكريًا صرفًا، بل إعادة رسم الجغرافيا الميدانية وفرض واقع جديد على الأرض.
خذ مثلًا ما يحدث في القرى الحدودية. بلدات كاملة أُفرغت من سكانها خلال أيام. في بنت جبيل وعيترون ومارون الراس، تحوّلت الحياة اليومية إلى ذكرى قريبة. المدارس أُغلقت، المحال أقفلت، والمشهد بات أقرب إلى مناطق مهجورة تنتظر نهاية غير واضحة. هذا النزوح لا يشبه نزوح 2006. يومها، كان النزوح مؤقتًا ومحدودًا زمنيًا. اليوم، كثيرون لا يعرفون إن كانوا سيعودون أصلًا.
لكن الأخطر من الحرب نفسها هو ما كشفته داخل لبنان. للمرة الأولى منذ سنوات طويلة، يظهر الشرخ الداخلي بهذا الوضوح. الدولة تتحدث بلغة استعادة القرار، بينما يصرّ حزب الله على أن المعركة أكبر من حدود الدولة نفسها. هذا التباين لم يعد نظريًا أو سياسيًا، بل أصبح واقعًا يوميًا.
يمكن ملاحظة ذلك في تفاصيل بسيطة لكنها عميقة الدلالة. في بيروت، تعيش أحياء حياة شبه طبيعية، فيما تعيش مناطق أخرى على وقع القلق الدائم. في بعض المناطق، تُرفع شعارات دعم “المقاومة”، وفي مناطق أخرى يُطرح السؤال بصراحة: من قرر هذه الحرب؟ هذا التفاوت في الإحساس بالحدث يعكس انقسامًا يتجاوز السياسة إلى الوعي الجماعي.
مثال آخر يظهر في الضغط الاجتماعي الناتج عن النزوح. آلاف العائلات انتقلت إلى مناطق لا تملك القدرة على استيعابها. في المدارس الرسمية، تحوّلت الصفوف إلى مراكز إيواء. في بعض البلدات، بدأت تظهر توترات صامتة بين السكان والنازحين، ليس بدافع العداء، بل نتيجة الضغط على الموارد والخدمات. هذه الاحتكاكات الصغيرة هي المؤشرات الأولى على قابلية الانفجار الاجتماعي إذا طال أمد الأزمة.
أما اقتصاديًا، فالبلد الذي كان أصلًا على حافة الانهيار، لم يعد يملك هامشًا إضافيًا للصمود. مؤسسات تقفل، استثمارات تتبخر، وحركة اقتصادية تتقلص يومًا بعد يوم. يكفي المرور في شوارع كانت نابضة بالحياة قبل سنوات، لملاحظة التحول: محال فارغة، لافتات “للإيجار”، وحركة خجولة لا تشبه بيروت التي كانت.
في هذا السياق، يبرز سؤال أساسي: ما الذي تغيّر فعليًا؟
الجواب ليس في عدد الغارات ولا في حجم الدمار، بل في سقوط التوازن القديم. لسنوات، عاش لبنان على معادلة دقيقة: دولة ضعيفة، وقوة عسكرية موازية، وتفاهم ضمني يمنع الانفجار الكبير. هذه المعادلة لم تعد قائمة. اليوم، كل طرف يتحرك وفق منطقه الخاص، فيما الأرض اللبنانية تتحول إلى ساحة مفتوحة.
الأمثلة على ذلك كثيرة. عندما تُستهدف مواقع في العمق اللبناني، ولا يأتي الرد من الدولة بل من جهة أخرى، تتكرس ازدواجية القرار. وعندما تعلن الحكومة مواقف لا تجد طريقها إلى التنفيذ، تتكرس فجوة بين النص والواقع. هذه الفجوة هي أخطر ما في المرحلة، لأنها تفتح الباب أمام كل الاحتمالات.
في المقابل، لا يمكن تجاهل البعد الإقليمي. ما يجري في لبنان ليس منفصلًا عن المواجهة الأوسع بين إسرائيل وإيران. الجنوب اللبناني أصبح جزءًا من معادلة أكبر، تُرسم خطوطها خارج بيروت. وهذا يعني أن قرار الحرب والسلم لم يعد محليًا بالكامل، بل مرتبطًا بتوازنات تتجاوز الحدود.
هنا تحديدًا تكمن المعضلة. لبنان يدفع ثمن موقعه، لكنه لا يملك أدوات التأثير في مسار الأحداث. هو ساحة، أكثر مما هو لاعب. وفي كل مرة تتصاعد المواجهة الإقليمية، يجد نفسه في الواجهة.
في ضوء ذلك، تبدو السيناريوهات مفتوحة. قد تستمر الحرب في شكل استنزاف طويل، ينهك البلد تدريجيًا ويعيد تشكيل ديموغرافيته. وقد تفرض تسوية إقليمية وقفًا لإطلاق النار، لكنها لن تعيد الأمور إلى ما كانت عليه. وهناك احتمال ثالث، أكثر خطورة، يتمثل في انتقال التوتر من الخارج إلى الداخل، إذا ما تداخلت الضغوط السياسية والاجتماعية مع الواقع الأمني.
في النهاية، ما يعيشه لبنان اليوم ليس مجرد أزمة عابرة. هو اختبار وجودي بكل ما للكلمة من معنى. الأمثلة اليومية—من قرى فارغة، إلى مدارس مكتظة بالنازحين، إلى شوارع فقدت حيويتها—ليست تفاصيل، بل إشارات إلى مسار أكبر.
السؤال الذي يفرض نفسه ليس متى تنتهي الحرب، بل ماذا سيبقى بعدها.
لأن لبنان الذي سيدخل هذه المرحلة، قد لا يكون هو نفسه الذي سيخرج منها.

فريق الحدث-كندا
للمتابعة والتحليل

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني