لبنان: لا وقف قريباً لإطلاق النار ..استنزاف يُمهّد لتسوية مفروضة

Last Updated: مارس 19, 2026Categories: Uncategorized, أخبار لبنان

الحدث-كندا

رؤوف نجم
في خضمّ التصريحات الأميركية والإسرائيلية المتسارعة، ترسم الوقائع الميدانية مسارًا لا يشبه الحروب الخاطفة، بل يقترب أكثر من هندسة صراع طويل يُراد له أن يُعيد صياغة قواعد اللعبة في لبنان والمنطقة. ما يجري اليوم لا يمكن قراءته الاّ كمرحلة تأسيسية لواقع جديد يُفرض بالقوة، ثم يُثبّت لاحقًا بالسياسة.
المؤشر الأول يكمن في طبيعة الخطاب الإسرائيلي نفسه. فالعمليات باتت أشمل وتستهدف البيئة العسكرية واللوجستية لحزب الله، وتمتدّ تدريجيًا إلى ما هو أبعد من ذلك. ضرب الجسور والطرق والبنى التحتية يعني  أن كلفة استمرار الوضع القائم لن تبقى محصورة في الجنوب، بل ستطال الدولة اللبنانية ككل. هذه المقاربة تعكس تحوّلًا في التفكير الإسرائيلي: من احتواء التهديد إلى محاولة إعادة تشكيله جذريًا.
و لا تبدو الولايات المتحدة في موقع كبح هذا المسار، بقدر ما تعمل على إدارته وضبط إيقاعه. واشنطن تدرك أن أي انفجار إقليمي واسع قد يخرج عن السيطرة، لكنها في الوقت نفسه ترى في اللحظة الراهنة فرصة لإضعاف محور إيران في أكثر من ساحة. لذلك، يبرز سلوك أميركي مزدوج: دعم غير مباشر لاستمرار الضغط العسكري، يقابله حرص على منع الانزلاق إلى مواجهة شاملة مع إيران أو انهيار كامل للدولة اللبنانية. هذا التوازن الدقيق لا يهدف إلى إنهاء الحرب سريعًا، بل إلى تهيئة ظروف تفاوض مختلفة لاحقًا.
على الأرض، تتجه إسرائيل نحو توسيع مدروس للعملية البرية جنوب لبنان، يترافق مع سياسة تفريغ سكاني وضربات مركّزة على خطوط الإمداد. هذا النمط من العمليات يوحي بأن الهدف ليس احتلالًا شاملاً، بل فرض واقع أمني جديد جنوب الليطاني، قد يقترب من صيغة “المنطقة العازلة” ولو دون إعلان رسمي. في هذا السياق، يصبح الزمن عنصرًا أساسيًا في المعركة: كل يوم إضافي من الضغط يُفترض أن يترجم تآكلًا في قدرات الخصم، أو على الأقل تعديلًا في سلوكه.
غير أن هذا المسار لا يخلو من حدود واضحة. فحزب الله، رغم الضربات، لا يزال يحتفظ بقدرة على الرد وإطالة أمد المواجهة، ما يعني أن فكرة الحسم السريع تبدو بعيدة عن الواقع. هنا تحديدًا يبرز التباين بين الهدف المعلن والنتيجة المتوقعة: الحديث عن إنهاء كامل للبنية العسكرية يقابله في الواقع احتمال أقرب يتمثل في إضعافها وإعادة ضبط قواعد الاشتباك معها، لا القضاء عليها نهائيًا.
أما إيران، فتقف عند مفترق حساس. توسيع نطاق الرد قد يفتح الباب أمام مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة، في حين أن ضبطه قد يُفهم كقبول ضمني بتراجع النفوذ. لذلك، يبدو أن المرحلة المقبلة ستشهد حسابات دقيقة في طهران، حيث يُوزن كل ردّ بميزان الكلفة الإقليمية، لا فقط الميدانية. في المقابل، تواصل واشنطن رفع سقف التحذير، في محاولة لردع أي توسع غير محسوب.
ضمن هذا المشهد، يتجه الصراع نحو معادلة واضحة: استنزاف متبادل يُمهّد لتسوية مفروضة. لا وقف قريب لإطلاق النار، ولا انفجار شامل حتى الآن، بل مرحلة وسطى أكثر قسوة، يُعاد فيها رسم التوازنات عبر القوة، تمهيدًا لفرض شروط جديدة على طاولة التفاوض.
لبنان، في قلب هذه المعادلة، يدفع الثمن الأكبر. فكلما طال أمد المواجهة، ازداد خطر انتقال الضغط من الجبهة العسكرية إلى بنية الدولة نفسها، اقتصاديًا واجتماعيًا وسياسيًا. وهنا تكمن خطورة المرحلة: ليس فقط في حجم الدمار، بل في إعادة تعريف موقع لبنان في خارطة الصراع الإقليمي.
في الخلاصة، ما يجري اليوم ليس حربًا بهدف الحسم السريع، بل عملية كسر تدريجي للتوازن القائم. الأميركيون والإسرائيليون يتحركون على قاعدة أن تغيير الواقع يحتاج إلى وقت وضغط متراكم، فيما يراهن خصومهم على القدرة على الصمود وإفشال هذا المسار. وبين هذين الرهانين، يقف لبنان على خط تماس مفتوح، حيث تتحدد ملامح المرحلة المقبلة للمنطقة بأكملها.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني