ترامب : اسرائيل لن تستعمل النووي ..فهل يستعمله هو؟
الحدث-كندا

رؤوف نجم
في الحروب الكبرى، تصل اللحظة التي يتغيّر فيها نوع الأسئلة المطروحة. فلا يعود النقاش محصورًا في حجم الضربات أو اتساع الجبهات، بل ينتقل إلى طبيعة القرار نفسه: كيف يُنهي طرف ما حربًا معقّدة عندما تفشل الأدوات التقليدية؟ في هذا السياق، يكتسب تصريح دونالد ترامب حول استبعاد استخدام إسرائيل للسلاح النووي دلالة تتجاوز طابع التطمين.
اللغة المستخدمة تكشف أن هذا الخيار حاضر في مستوى التفكير، وأن سقف النقاش ارتفع إلى حدود لم تكن مطروحة علنًا من قبل.
فهذا التحوّل يقود إلى مسألة أعمق تتعلق بأسلوب القيادة. وترامب لا يتعامل مع الأزمات وفق التدرّج الكلاسيكي الذي يوازن بين التصعيد والاحتواء، بل يميل إلى الحسم السريع عندما يرى أن المسار الطويل لن يحقق نتيجة واضحة. في مثل هذا المنطق، تظهر فكرة “الضربة الحاسمة” كخيار جذاب، لأنها تعد بإنهاء الصراع خلال فترة قصيرة بدل استنزاف مفتوح. من هنا تحديدًا ينشأ القلق، لأن الانتقال من التفكير النظري إلى التفكير العملي لا يحتاج دائمًا إلى تغيّر في القدرات، بل إلى قرار سياسي يختبر حدود الممكن.
تتزامن هذه المقاربة مع بيئة دولية مختلفة. حلف شمال الأطلسي يتعامل مع التصعيد بحذر واضح، مع ميل إلى تجنّب الانخراط المباشر في مواجهة قد تتوسّع سريعًا. هذا التموضع يخلق نوعًا من الفراغ النسبي في القرار الجماعي، ويمنح واشنطن هامش حركة أوسع. في لحظات كهذه، يصبح احتمال المبادرة الفردية أكثر حضورًا، خصوصًا إذا اعتُبر أن الوقت عامل ضاغط وأن الحسم السريع قد يفرض واقعًا جديدًا قبل أن تتبلور مواقف دولية معاكسة.
صحيح أن الولايات المتحدة تحمل سابقة تاريخية في استخدام السلاح النووي خلال قصف هيروشيما وناغازاكي، إلا أن استحضار هذه السابقة اليوم لا يعني تكرارها بسهولة، بل يطرح سؤالًا حول طبيعة التفكير السياسي الذي قد يرى في تلك اللحظة نموذجًا للحسم. الفرق أن العالم الحالي أكثر تشابكًا، وأي خطوة من هذا النوع ستُقرأ كتحوّل جذري في قواعد الاشتباك، مع تداعيات تتجاوز ساحة الحرب نفسها.
في المقابل، لا تبدو إيران في موقع من يدفع نحو خيار صادم كهذا، إذ تعتمد على إدارة الصراع عبر الغموض والضغط التدريجي، وهو أسلوب يهدف إلى تحقيق مكاسب دون الانزلاق إلى مواجهة غير قابلة للضبط. كذلك، فإن إسرائيل، رغم امتلاكها قدرة ردع عالية، تدرك أن أي استخدام للسلاح النووي سيحوّلها من قوة ردع إلى طرف يفتح بابًا يصعب إغلاقه في المنطقة، مع كلفة استراتيجية تتجاوز أي مكسب عسكري مباشر.
عند هذه النقطة، يعود التركيز إلى العامل الأكثر تأثيرًا: طبيعة القرار السياسي. الخطر لا يكمن في وجود السلاح، بل في اللحظة التي يُنظر إليه فيها كأداة عملية لإنهاء الحرب. هذا التحوّل، إذا حدث، لن يكون نتيجة تطور تقني أو عسكري، بل نتيجة اقتناع لدى القيادة بأن كلفة الاستمرار في الحرب أعلى من كلفة كسر القواعد.
من هنا يمكن فهم جوهر الإشكالية: العالم لا يقف أمام استخدام وشيك للسلاح النووي، لكنه يقف أمام تغير تدريجي في طريقة التفكير به. وإذا كان هذا التغير سيترجم يومًا إلى قرار، فمن المرجح أن يأتي من جهة تجمع بين القدرة والاستعداد لاختبار حدود النظام الدولي. في هذا السياق، يصبح النقاش حول دونالد ترامب أكثر من قراءة سياسية لشخصية جدلية، بل محاولة لفهم ما إذا كانت فكرة “السلام بالقوة” قد تنزلق، تحت ضغط الحرب، إلى خطوة تعيد تعريف السلام نفسه.
alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

