من الوحدة الى الانفصال كيف تحول خطاب كارني الى سجال تاريخي من اجل المستقبل

رؤوف نجم

الحدث كندا
أراد رئيس الوزراء الكندي مارك كارني أن يفتتح خلوة حكومته برسالة “وحدة” مدروسة فاختار سهول أبراهام وهذا رمز كيبيكي كبير. تحدث عن كندا بوصفها مشروعًا قام على التعايش و”الشراكة” لا على الإلغاء. لكن ما حدث بعد ذلك جاء عكس ما أراده الخطاب. في كيبيك، اعتُبر النص نكأً في جرح قديم… فاشتدّ العصب، لا حول كارني، بل ضده.
من اللحظة الأولى تحولت “رمزية السهول” إلى عنوان الحكاية. المكان في حد ذاته كان «فقرة» من الرسالة. كارني أراد أن يجعل السهول نقطة انطلاق لرواية تقول إن البلاد اختارت “التكيّف بدل الاستيعاب”، وأن الشراكة غلبت منطق الغلبة. غير أن جمهورًا واسعًا في كيبيك سمع شيئًا آخر. ففي حين حاول كارني تعريف سنة 1759 بوصفها صفحة تأسيس وطنية مشتركة، اعتبرتها الذاكرة السياسية للمقاطعة لحظة فقدان وتحوّل قسري.
هنا بالضبط نجح كارني، من حيث لا يقصد، في شدّ عصب كيبيك ضده. فهو دخل على الذاكرة من باب الهوية، حيث التفاصيل أكبر من مضمونها، و جملة واحدة تكفي لاشعال سجال لا ينطفئ بسهولة.
فالخطاب في نظر الكيبكيين بدأ من “ساحة الهزيمة”، وقد وصلت الرسالة قبل أن يبدأ الخطاب . أوتاوا تتحدث عن “الوحدة” من موقعٍ محفور في الذاكرة القومية كعلامة هزيمة وجرح تاريخي واعتبره كثيرون محاولة استثماراً لرمزية المكان من اجل اقناع الرأي العام الكيبيكي والكندي بقراءة معينة للتاريخ… وليس مجرد افتتاح لخلوة حكومية.
هنا يختلف وقع الخطاب بين الجمهورين: فما يراه البعض منصة لرسالة جامعة، يراه آخرون منصة لإعادة توزيع المعاني على حدثٍ لا يزال حساسًا في الهوية السياسية للمقاطعة.
ومن تلك الاعتبارات ان كارني قدّم خلاصة تصالحية فوق مادة قابلة للاشتعال. في خطابه، حاول كارني أن يوازن بين الاعتراف بصفحات قاسية من التاريخ وبين نتيجة يريد الوصول إليها ليظهر أن كندا تطورت نحو نموذج “يحتوي” بدل أن “يلغي”. غير أن هذا الجسر، في مناخ كيبيكي متوتر، ناتج عن استقالة رئيس وزراء المقاطعة والخوف على اللغة والهوية ومن سياسة الهجرة المتبعة والصلاحيات المطالب بها والعلمانية والسكن وغيرها، بدا لكثيرين انه قفزة فوق السؤال الأصعب فكيف يمكن تحويل تاريخ علاقة «قوة» إلى علاقة “شراكة” بمجرد حسن صياغة خطاب؟
وبين الاعتراف والنتيجة، فتحت المسافة باب الاعتراض الذي ليس اعتراضًا على ذكر كارني لصفحات مؤلمة، بل على ما استنتجه منها، وعلى المكان الذي اختاره ليقول هذا الاستنتاج.
بلاموندون لم يناقش النص…
زعيم الحزب الكيبيكي بول سان-بيير بلاموندون لم يقرأ خطاب كارني كوجهة نظر تاريخية. هو اعترض على الإطار وعلى الرمزية، وعلى محاولة تقديم سنة 1759 بوصفها بوابة “شراكة”. وبلهجة هجومية، صوّر ما فعله كارني استمراراً لمنطق قديم يرى فيه السياديون الكيبيكيون “لغة فوقية” تسعى إلى تطويع الذاكرة داخل رواية فدرالية.
ولم يكتفِ بلاموندون بتوصيف الخطاب، بل نقل أثره مباشرة إلى السياسة معتبراً انه إذا كان هذا هو منطق أوتاوا في مخاطبة كيبيك اليوم، فذلك يعني أن المعركة ليست مؤجلة، وأن الاصطفاف بدأ مبكرًا، مشيرا الى الانفصال او البقاء في كندا الفيدرالية.
في لحظات كهذه، لا تنتشر المقالات الطويلة بسرعة… تنتشر الجمل والردود القصيرة. الجملة التي تعكس المزاج، وتمنح الخصم عنوانًا، وتسمح للغضب أن يختصر نفسه في كلمات. فيستمد الخطاب السيادي جرعات قومية ووطنية مثال ان “كيبيك لم تحفظ نفسها بفضل كندا، بل بالرغم منها او عنها ”. مثل هذه العبارة لا تُستخدم لتفسير التاريخ ، بل لتثبيت الهوية.
raouf_najm
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

