بين العدسة والجوجيتسو: إيلي بيار عيد… ستة وثلاثون عاما في مونتريال وهويةٌ لبنانية لا تغيب

رؤوف نجم
الصورمن اليمين: بيار عيد اثناء التمرين – تسلم جائزة الشرق الاوسط-ايلي وميلاني-ايلي وقائد شرطة اونتاريو وJean françois مشارك في التمارين
الحدث كندا
رؤوف نجم
كان عمره ست سنوات حين حطّ في مونتريال آتياً من بلدة ساقية المسك، في قضاء المتن الشمالي في محافظة جبل لبنان، مع والديه. ست وثلاثون سنة مرّت منذ ذلك اليوم، لكن أثره ما زال حاضراً في تفاصيل حياته: مدينة احتضنته، وهوية لبنانية لم تُغادره، وشغفٌ بالرياضة والعمل قاده إلى موقعٍ يصعب اختزاله في عنوان واحد.
اليوم، إيلي (أو إلياس) بيار عيد ليس مجرد ابن مهاجر كبر في كندا؛ إنه رجل صنع لنفسه مساراً مركّباً بين العدسة والحركة، بين فن الصورة وانضباط الفنون القتالية. مع زوجته الكيبيكية ميلاني إيموند Mélanie Emond، يدير شركة تصوير تحمل اسميهما: Emond et Eid، متخصصة في تصوير الشركات والشخصيات، وفي التصوير الهندسي/المعماري الذي يتطلّب عيناً دقيقة وصبراً ومعرفة بالتفاصيل التي لا يراها كثيرون. في هذا النوع من العمل، ليست الصورة “لقطة جميلة” فقط، بل وثيقة جمالية ومهنية: خطوط، زوايا، ضوء محسوب، ورسالة واضحة عن هوية المؤسسة أو صاحبها.
لكن العمل، بكل ما فيه من ضغط مواعيد ومتطلبات الزبائن، لم يستطع أن يسحب إيلي بعيداً عن هوايته الأكثر رسوخاً: الجوجيتسو الياباني Le jujutsu japonais. هناك، تبدو شخصية أخرى لإيلي: شخصية المدرب الذي يعرف أن التقدّم لا يأتي بالصدفة، وأن كل حزام وكل درجة هي تراكم سنوات من الالتزام، والانضباط، وتكرار التفاصيل حتى تصبح جزءاً من الجسد قبل العقل. ترقّى إيلي إلى الدان الرابع وتسلّم شهادته من الاتحاد الفدرالي للعبة، في محطة تحمل معنى خاصاً لكل من يعرف ثقافة الفنون القتالية: “الترقية” هنا ليست رقماً، بل اعتراف بمسار وعمق ومسؤولية.
ومن الصالة إلى المؤسسات الأمنية… أخذت القصة منعطفاً لافتاً. إذ شاهد رئيس شرطة أونتاريو J.P Caron إيلي وهو يخوض البطولات والتدريبات، فطلب منه أن يتدرّبا معاً. لم تكن مجرد حصة تدريب عابرة؛ سرعان ما توطّدت العلاقة الرياضية، وتحول الإعجاب إلى تعاون عملي، فصار إيلي—في أوقات فراغه—يدرّب بعض أفراد شرطة أونتاريو OPP (Ontario Provincial Police). هنا تلتقي الرياضة بالثقة: أن تُدرّب عناصر شرطة، فهذا يعني أنك لا تدرّس تقنية فحسب، بل تُدرّس ضبط النفس، وحسن التقدير، والانضباط تحت الضغط، وهي قيم تتجاوز الحركات إلى السلوك.
وفي الخلفية، يبرز اسمٌ يشرح الكثير: الوالد بيار عيد. شغف إيلي بالرياضة ليس طارئاً، بل امتدادٌ طبيعي لبيتٍ تشرّب فكرة أن الإنجاز يُصنع بالعرق وبالالتزام. فبيار عيد حائز على الدان التاسع في الكاراتيه، وحقق بطولة لبنان، وشارك في بطولات في اليابان والولايات المتحدة، كما حاز بطولة الشرق الأوسط في الـ Full Contact عام 1975. هذه السيرة ليست مجرد “إنجازات رياضية” تُذكر للتزيين، بل هي مدرسة كاملة: معنى التحدي، احترام الخصم، والصعود خطوة خطوة بلا استعجال. ولا غرابة أن يكون إيلي قد تمرّس أيضاً مع Robert Panneton، أحد أبرز اللاعبين في كيبيك، ما أضاف إلى تجربته بُعداً محلياً متيناً داخل المشهد الرياضي الكيبيكي.
ورغم ازدحام الأعمال في شركة التصوير وضيق الوقت—بين جلسات تصوير، وتسليم مشاريع، وترتيب مواعيد العملاء—ظل إيلي واحداً من أفضل المدربين، لأن التدريب بالنسبة إليه ليس نشاطاً جانبياً، بل هوية ثانية تُوازن ضغط الحياة وتمنحها معنى إضافياً. فمن اعتاد أن يرفع مستوى نفسه على البساط، يعرف كيف يرفع مستوى عمله خلف الكاميرا أيضاً: نفس الانضباط، نفس الدقة، ونفس الإصرار على الجودة.
وفي البيت، يستمر خطّ الهوية على طريقة العائلات التي تعرف كيف تُصالح بين الانتماءات. إيلي يتكلم العربية بطلاقة، ولديه ولدان: كابريال وبيتر. يحاول أن ينقل إليهما الجذور اللبنانية والقيم التي نشأ عليها، تلك المتعلقة بالأرض وبالذاكرة وبصلة العائلة بالوطن الأم، على غرار والديه. وفي الوقت نفسه، لا يعيش هذا الانتماء كحالة تناقض مع كيبيك وكندا، بل كتناغم كامل: تعلّق بالقيم الكيبيكية والكندية، وانتماء وجداني للبنان، وكأن هويتين يمكنهما أن تتعايشا بلا صراع حين تُبنى العلاقة معهما على احترام ووعي.
وتعود بنا الحكاية إلى العائلة، لأن الحديث عن إيلي لا يكتمل دون الإشارة إلى “البيت” الذي جاء منه هذا المزاج التصالحي. فعائلة بيار عيد معروفة بتعلّقها بالوطن الأم وبالعمل الأهلي داخل الجالية. وبيار عيد كان من مؤسسي “دار الأرز” في مونتريال في التسعينات، وعمل مع فريق من المغتربين على مساعدة اللبنانيين في كندا ولبنان، في فترة كانت الجالية تمرّ فيها بانقسامات سياسية حادة. كان الهدف—كما يروي المقربون—لمّ الشمل وتخفيف الاستقطاب وإعادة بناء مساحة مشتركة تجمع اللبنانيين على ما يوحدهم لا على ما يفرقهم. وهو جهدٌ لا يقل صعوبة عن أي بطولة: لأن توحيد الناس أصعب أحياناً من الفوز على خصم.
بهذا المعنى، تبدو سيرة إيلي بيار عيد أكثر من قصة نجاح فردي. إنها صورة عن جيلٍ وُلِد في الهجرة أو وصل إليها طفلاً، فصار ابن المكانين معاً: يحمل من لبنان جذوره وحنينه وقيمه، ومن كيبيك وكندا نظامهما وفرصتهما وروحهما. وبين العدسة والجوجيتسو، وبين العمل والعائلة، يواصل إيلي كتابة حكايته على طريقته: بهدوء، بانضباط، وبولاءٍ مزدوج لا يتناقض… بل يكتمل.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني













