في صراع الامبراطوريات الحديثة: ترامب الامبراطور الاوحد

رؤوف نجم
العالم اليوم لم يعد ينتظر سقوط نظامٍ معين او زعيمٍ. فقد اصبحنا أمام قديم متجدد ، عودة الإمبراطوريات، باسلوب حديث و مشروع “هيمنة” يبتلع الدول من داخلها، ويستعمل شعوبها نفسها وقودًا وأداةً ولغةً وراية.
فالإمبراطوريات الجديدة تُدار بالعقيدة، والمال، والمنصّات، وبالخرائط الذهنية التي تجعل جماعةً ما ترى نفسها “أمّةً” فوق الأوطان، و”رسالةً” فوق الحدود، و”حقًا تاريخيًا” فوق القانون.
لقد اصبح القرن الواحد والعشرون مسرحًا لاربعة أحلامٍ كبرى، اريع“نسخ” متنافسة من الإمبراطورية: مشروعٌ فارسيّ يُعيد إنتاج ولاية الفقيه كمرجعيةٍ عابرة للدول؛ ومشروعٌ سنّيّ متشدد يسعى إلى خلق “خلافة” تعود لتبتلع الجغرافيا باسم الدين؛ ومشروعٌ إسرائيليّ يرى في “إسرائيل الكبرى” أفقًا أيديولوجيًا وأمنيًا، لا يكتفي بدولةٍ ضمن حدود، بل يسعى إلى إعادة ترتيب المجال من حوله واخيرا امبراطورية الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الاميركي دونالد ترامب. هذه المشاريع، مهما اختلفت شعاراتها، تلتقي عند جوهرٍ واحد: صناعة الامبراطوريات في القرن الحديث
1) الإمبراطورية الفارسية أو ولاية الفقيه
سر ولاية الفقيه، في التجربة الإيرانية الحديثة أنها قُدِّمت كفكرة قابلة للتصدير: سلطةُ دينٍ تتجاوز الدولة، وحاكمٌ يُعرَّف بوصفه “وليًّا” لا رئيسًا، وبالتالي يصبح له “حقّ رعاية” المؤمنين حيثما كانوا. وهنا تبدأ الإمبراطورية: فتتحوّل المرجعية الدينية إلى جواز مرورٍ سياسي، و تتحول الميليشيا إلى سفارةٍ مسلّحة فيصبح الولاء للعقيدة أعلى من الولاء للوطن.
بهذا المنطق تمدّد النظام الإيراني عبر تمويل أذرعٍ محلية في دولٍ عربية، وخلق سردية “محور” و”مقاومة” تُغري الفقراء بالمعنى، وتستدرج الغاضبين بالثأر، وتُسكت المترددين بالفتوى. وفي الوقت نفسه تُقدَّم التضحيات البشرية كقيمةٍ مقدّسة: موتٌ مؤجَّل الحساب، وحياةٌ مُرجأة إلى ما بعد الموت. الإمبراطورية هنا لا تحتاج جنديًا إيرانيًا في كل شارع؛ يكفيها أن تخلق “جنديًا عقائديًا” من أبناء البلد نفسه، يقتنع أن المعركة معركةُ السماء لا معركة الدولة.
غير أنّ هذه “الإمبراطورية الشبكية” تصطدم دائمًا بحائطٍ واحد: حساب الشعوب. حين يجوع الناس في الداخل، وحين ترى المجتمعات العربية أن أموالها ودمها تُستنزف لتثبيت نفوذٍ لا يشبهها، تنكشف الفجوة بين شعار “الرسالة” وواقع “الدولة”. عندها يبدأ تآكل الإمبراطوريات من الداخل، لأن الشبكة التي تقوم على العقيدة تحتاج دائمًا إلى انتصارٍ دائم، أو إلى عدوٍّ دائم، أو إلى خوفٍ دائم… وهذه شروط لا تدوم إلى الأبد.
2) الإمبراطورية السنية المتشددة و حلم الخلافة :استثمارٍ في الفوضى
في الجهة الأخرى يقف مشروعٌ مختلف في اللباس، مشابه في الجوهر: “الخلافة السنّية” حين تُطرح كحلٍ نهائي، لا كوحدةٍ روحية، بل ككيان سياسي يُلغِي الدول الوطنية ويعيد ترتيب الناس بين “أتباع” و”خصوم”. هذا المشروع لا يحب الحدود أصلًا؛ الحدود عنده خيانة، والتعددية رجس، والدولة المدنية بدعة. وهو، مثل أي مشروع إمبراطوري، يحتاج إلى ركيزتين: سردية كبرى (الخلاص، التمكين، الحكم بما يراه “شرعًا”)، وساحة فوضى تسمح بالتمدد.
الخلافة المتشددة لا تُبنى غالبًا في زمن الاستقرار، بل في لحظة الانكسار: انهيار اقتصاد، تفكك مؤسسات، صراع أهلي، أو شعور جماعي بالإهانة. عندها تبرز “الهوية” كبديل عن الدولة، ويصبح الدين وقودًا سياسيًا. واللافت أن هذا النوع من الإمبراطوريات يعيش على تحويل أبناء الشعوب إلى جنودٍ ضد شعوبهم: يقتل باسم الطهر، ويقصي باسم اليقين، ويُعدم السياسة لصالح التكفير. إنه مشروع إمبراطورية لكنه لا يقدم دولة، بل يقدم “حربًا دائمة” تُبقيه حيًا.
3) الإمبراطورية الإسرائيلية: “إسرائيل الكبرى” الأفقٍ الأمنيّ والأيديولوجي
أما المشروع الإسرائيلي، فهو الأكثر قدرة على الجمع بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا والدولة الفعلية. فكرة “إسرائيل الكبرى” لا تُطرح دائمًا كخريطةٍ رسمية مُعلنة، لكنها تعمل في العمق كأفقٍ ذهنيّ: توسيع المجال الحيوي، ضمان التفوق الأمني، إعادة هندسة المحيط، وتحويل الجوار إلى “مناطق عازلة” بالمعنى العسكري أو السياسي أو الاقتصادي. هنا تصبح الإمبراطورية منظومة سيطرة على السماء والتكنولوجيا، على القرار الأمني، وعلى ميزان الردع.
وإذا كانت الإمبراطوريات القديمة تحتاج جيوشًا ضخمة لتمسك الأرض، فإن الإمبراطورية الحديثة قد تمسكها بـ”التفوّق”: تفوق استخباراتي، تفوق تكنولوجي، تفوق تحالفي. قد تُمسكها أيضًا بتفكيك الخصوم: خلق صراعات داخلية، تأجيج انقسامات، أو دفع المجتمعات إلى تناحرٍ طويل يُضعف الدولة ويُبقيها رهينةً لميزان قوة خارجي.
4)الإمبراطورية الرابعة: الاإمبراطورية الافتراضية
غير أن المفارقة الكبرى اليوم هي أن الإمبراطوريات لم تعد مضطرة لأن تحكم كل شبرٍ على الأرض. العالم اليوم، يدخل زمن “إمبراطوريات افتراضية”: فضاءات نفوذ تُدار من مدن مركزية،عواصم مالٍ وتكنولوجيا وإعلام، وتتمدد عبر الشبكات لا عبر الحدود. من يملك المنصّات يملك الرواية. من يملك السردية يملك الجمهور. من يملك الجمهور يضغط على السياسة. ومن يضغط على السياسة يُعيد تشكيل الدول من الداخل.
في هذه الإمبراطورية الافتراضية، تصبح الجيوش أقل أهمية من الخوارزميات، والموانئ أقل أهمية من الكابلات والبيانات، والحدود أقل أهمية من “الانتماء الرقمي” الذي يصنعه إعلامٌ موجَّه أو منصّةٌ مُسيَّسة. تُدار الإمبراطورية هنا من مركزٍ واحد، لكن أذرعها على الأرض هم أبناء البلدان أنفسهم: ناشطٌ يظن أنه يقاتل لأجل الحرية بينما يُستعمل في حرب نفوذ؛ مقاتلٌ يظن أنه يدافع عن الدين بينما يُستثمر في صراع دول؛ مسؤولٌ يظن أنه يحمي الدولة بينما يربطها قسرًا بمحور.
هكذا نصل الى الخطر الحقيقي . الإمبراطوريات الجديدة تُريد أن يكون “الحارس على الأرض” من أبناء الشعوب ذاتها. فلا احتلال مباشر، بل وكلاء؛ ولا حاكم أجنبي يتم تعيينه، انما نخبة محلية مرتبطة بالخارج؛ فلا قهرٌ صريح ، انما انقسامٌ داخلي يجعل المجتمع يلتهم نفسه.
ترامب حاكم كل الامبراطوريات
وسواء أحبّه البعض أو كرهوه، يبقى دونالد ترامب الظاهرة السياسية التي تعبّر عن اللحظة العالمية الحالية عبر عودة منطق “القوة العارية” في العلاقات الدولية، والتعامل مع العالم كصفقاتٍ ونفوذ ومناطق تأثير. في هذا المناخ، يصبح الحديث عن “الإمبراطوريات” أكثر واقعية. ترامب،وفق ما يراه مؤيدوه، يريد إعادة ترتيب الخريطة بالقوة: فمن يتحدّى يُعاقَب، ومن يفاوض يُكافأ، ومن يضع نفسه خارج اللعبة يُترك للريح. ووفق ما يراه خصومه،هو يسير نحو فكرة إمبراطورية أميركية جديدة تُعيد تعريف الشرعية الدولية بحسب المصلحة.
لكن الأهم من الشخص هو المناخ الذي يمثله: فالعالمٌ يُعاد تقسيمه بين مراكز قوة، حيث تُدار الحروب عن بُعد، وتُصنع التحالفات كالسوق، وتُختصر الدول الضعيفة إلى ساحات اختبار. في هذه الاجواء لا تُبنى الإمبراطوريات على الأرض بشكلٍ مباشر، بل تُدار من “مدن مركزية”: واشنطن، موسكو، بكين، تل أبيب… وربما عواصم أخرى. وتبقى الأرض، القارة “الإمبراطورية” بمعنى المجال الحيوي، مسرحًا لمن يحافظ على النفوذ، ويمنع الخصم، ويضمن المرور والممرات والمصالح.
وما نعيشه اليوم هو صراع بين مشاريع إمبراطوريات ، تريد ابتلاع الجغرافيا بطرق مختلفة. المشروع الفارسي يمدّ ولاية الفقيه كشبكة.و مشروع الخلافة السنية المتشددة الذي يعيش على الفوضى ويحوّل الدين إلى دولة حرب و المشروع الإسرائيلي الذي يوسّع المجال بالأمن والتكنولوجيا والتفوّق. واخيرا مشروع الإمبراطوريات الافتراضية التي تُعيد تشكيل العقول قبل الخرائط.
وسط هذا كله، الخطر الأكبرهو أن تتحول شعوبنا إلى أدواتٍ في الغزو، و أن يحرس أبناء البلد مشروعًا لا يشبههم، وأن يرفعوا راياتٍ فوق أوطانهم لا تعترف بالأوطان. فحينها تصبح الإمبراطورية العقائدية أقوى من الدولة، وتصبح الفتوى أقوى من الدستور، وتصبح المنصّة أقوى من البرلمان. و..نعم يمكننا القول ان القرن الواحد والعشرون لا يُنهي الإمبراطوريات… انما يُعيد ابتكارها. والسؤال الذي سيحسم مصير منطقتنا ليس من سينتصر؟ بل: هل نملك دولةً تحمي مواطنيها من أن يتحولوا إلى وقودٍ لمشاريع لا تنتمي إليهم؟
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

