في صراع الامبراطوريات الحديثة: ترامب الامبراطور الاوحد

Last Updated: يناير 20, 2026Categories: أخبار كندا, أخبار لبنان, كتاب الموقع

رؤوف نجم

العالم اليوم لم يعد ينتظر سقوط نظامٍ معين او زعيمٍ. فقد اصبحنا أمام قديم متجدد ، عودة الإمبراطوريات، باسلوب حديث و مشروع “هيمنة” يبتلع الدول من داخلها، ويستعمل شعوبها نفسها وقودًا وأداةً ولغةً وراية.

ف‏الإمبراطوريات الجديدة تُدار بالعقيدة، والمال، والمنصّات، وبالخرائط الذهنية التي تجعل جماعةً ‏ما ترى نفسها “أمّةً” فوق الأوطان، و”رسالةً” فوق الحدود، و”حقًا تاريخيًا” فوق القانون‎.‎

لقد اصبح القرن الواحد والعشرون مسرحًا لاربعة أحلامٍ كبرى، اريع“نسخ” متنافسة من الإمبراطورية: مشروعٌ ‏فارسيّ يُعيد إنتاج ولاية الفقيه كمرجعيةٍ عابرة للدول؛ ومشروعٌ سنّيّ متشدد يسعى إلى خلق “خلافة” تعود لتبتلع الجغرافيا باسم ‏الدين؛ ومشروعٌ إسرائيليّ يرى في “إسرائيل الكبرى” أفقًا أيديولوجيًا وأمنيًا، لا يكتفي بدولةٍ ضمن حدود، بل يسعى إلى إعادة ‏ترتيب المجال من حوله واخيرا امبراطورية الولايات المتحدة بقيادة الرئيس الاميركي دونالد ترامب. هذه المشاريع، مهما اختلفت شعاراتها، تلتقي عند جوهرٍ واحد: صناعة الامبراطوريات في القرن الحديث

‏1) الإمبراطورية الفارسية أو ولاية الفقيه

سر ولاية الفقيه، في التجربة الإيرانية الحديثة أنها قُدِّمت كفكرة قابلة للتصدير: سلطةُ دينٍ تتجاوز الدولة، وحاكمٌ يُعرَّف بوصفه ‏‏“وليًّا” لا رئيسًا، وبالتالي يصبح له “حقّ رعاية” المؤمنين حيثما كانوا. وهنا تبدأ الإمبراطورية: فتتحوّل المرجعية الدينية إلى ‏جواز مرورٍ سياسي، و تتحول الميليشيا إلى سفارةٍ مسلّحة فيصبح الولاء للعقيدة أعلى من الولاء للوطن‎.‎

بهذا المنطق تمدّد النظام الإيراني عبر تمويل أذرعٍ محلية في دولٍ عربية، وخلق سردية “محور” و”مقاومة” تُغري الفقراء ‏بالمعنى، وتستدرج الغاضبين بالثأر، وتُسكت المترددين بالفتوى. وفي الوقت نفسه تُقدَّم التضحيات البشرية كقيمةٍ مقدّسة: موتٌ ‏مؤجَّل الحساب، وحياةٌ مُرجأة إلى ما بعد الموت. الإمبراطورية هنا لا تحتاج جنديًا إيرانيًا في كل شارع؛ يكفيها أن تخلق “جنديًا ‏عقائديًا” من أبناء البلد نفسه، يقتنع أن المعركة معركةُ السماء لا معركة الدولة‎.‎

غير أنّ هذه “الإمبراطورية الشبكية” تصطدم دائمًا بحائطٍ واحد: حساب الشعوب. حين يجوع الناس في الداخل، وحين ترى ‏المجتمعات العربية أن أموالها ودمها تُستنزف لتثبيت نفوذٍ لا يشبهها، تنكشف الفجوة بين شعار “الرسالة” وواقع “الدولة”. عندها ‏يبدأ تآكل الإمبراطوريات من الداخل، لأن الشبكة التي تقوم على العقيدة تحتاج دائمًا إلى انتصارٍ دائم، أو إلى عدوٍّ دائم، أو إلى ‏خوفٍ دائم… وهذه شروط لا تدوم إلى الأبد‎.‎

‏2) الإمبراطورية السنية المتشددة و حلم الخلافة :استثمارٍ في الفوضى

في الجهة الأخرى يقف مشروعٌ مختلف في اللباس، مشابه في الجوهر: “الخلافة السنّية” حين تُطرح كحلٍ نهائي، لا كوحدةٍ ‏روحية، بل ككيان سياسي يُلغِي الدول الوطنية ويعيد ترتيب الناس بين “أتباع” و”خصوم”. هذا المشروع لا يحب الحدود أصلًا؛ ‏الحدود عنده خيانة، والتعددية رجس، والدولة المدنية بدعة. وهو، مثل أي مشروع إمبراطوري، يحتاج إلى ركيزتين: سردية ‏كبرى (الخلاص، التمكين، الحكم بما يراه “شرعًا”)، وساحة فوضى تسمح بالتمدد‎.‎

الخلافة المتشددة لا تُبنى غالبًا في زمن الاستقرار، بل في لحظة الانكسار: انهيار اقتصاد، تفكك مؤسسات، صراع أهلي، أو ‏شعور جماعي بالإهانة. عندها تبرز “الهوية” كبديل عن الدولة، ويصبح الدين وقودًا سياسيًا. واللافت أن هذا النوع من ‏الإمبراطوريات يعيش على تحويل أبناء الشعوب إلى جنودٍ ضد شعوبهم: يقتل باسم الطهر، ويقصي باسم اليقين، ويُعدم السياسة ‏لصالح التكفير. إنه مشروع إمبراطورية لكنه لا يقدم دولة، بل يقدم “حربًا دائمة” تُبقيه حيًا‎.‎

‏3) الإمبراطورية الإسرائيلية: “إسرائيل الكبرى” الأفقٍ الأمنيّ والأيديولوجي

أما المشروع الإسرائيلي، فهو الأكثر قدرة على الجمع بين الأيديولوجيا والتكنولوجيا والدولة الفعلية. فكرة “إسرائيل الكبرى” لا ‏تُطرح دائمًا كخريطةٍ رسمية مُعلنة، لكنها تعمل في العمق كأفقٍ ذهنيّ: توسيع المجال الحيوي، ضمان التفوق الأمني، إعادة هندسة ‏المحيط، وتحويل الجوار إلى “مناطق عازلة” بالمعنى العسكري أو السياسي أو الاقتصادي. هنا تصبح الإمبراطورية منظومة ‏سيطرة على السماء والتكنولوجيا، على القرار الأمني، وعلى ميزان الردع‎.‎

وإذا كانت الإمبراطوريات القديمة تحتاج جيوشًا ضخمة لتمسك الأرض، فإن الإمبراطورية الحديثة قد تمسكها بـ”التفوّق”: تفوق ‏استخباراتي، تفوق تكنولوجي، تفوق تحالفي. قد تُمسكها أيضًا بتفكيك الخصوم: خلق صراعات داخلية، تأجيج انقسامات، أو دفع ‏المجتمعات إلى تناحرٍ طويل يُضعف الدولة ويُبقيها رهينةً لميزان قوة خارجي‎.‎

4)الإمبراطورية الرابعة: الاإمبراطورية الافتراضية

غير أن المفارقة الكبرى اليوم هي أن الإمبراطوريات لم تعد مضطرة لأن تحكم كل شبرٍ على الأرض. العالم اليوم، يدخل زمن ‏‏“إمبراطوريات افتراضية”: فضاءات نفوذ تُدار من مدن مركزية،عواصم مالٍ وتكنولوجيا وإعلام، وتتمدد عبر الشبكات لا عبر ‏الحدود. من يملك المنصّات يملك الرواية. من يملك السردية يملك الجمهور. من يملك الجمهور يضغط على السياسة. ومن يضغط ‏على السياسة يُعيد تشكيل الدول من الداخل‎.‎

في هذه الإمبراطورية الافتراضية، تصبح الجيوش أقل أهمية من الخوارزميات، والموانئ أقل أهمية من الكابلات والبيانات، ‏والحدود أقل أهمية من “الانتماء الرقمي” الذي يصنعه إعلامٌ موجَّه أو منصّةٌ مُسيَّسة. تُدار الإمبراطورية هنا من مركزٍ واحد، لكن ‏أذرعها على الأرض هم أبناء البلدان أنفسهم: ناشطٌ يظن أنه يقاتل لأجل الحرية بينما يُستعمل في حرب نفوذ؛ مقاتلٌ يظن أنه يدافع ‏عن الدين بينما يُستثمر في صراع دول؛ مسؤولٌ يظن أنه يحمي الدولة بينما يربطها قسرًا بمحور‎.‎

هكذا نصل الى الخطر الحقيقي . الإمبراطوريات الجديدة تُريد أن يكون “الحارس على الأرض” من أبناء الشعوب ذاتها. فلا احتلال ‏مباشر، بل وكلاء؛ ولا حاكم أجنبي يتم تعيينه، انما نخبة محلية مرتبطة بالخارج؛ فلا قهرٌ صريح ، انما انقسامٌ داخلي يجعل المجتمع يلتهم ‏نفسه‎.‎

ترامب حاكم كل الامبراطوريات

وسواء أحبّه البعض أو كرهوه، يبقى دونالد ترامب الظاهرة السياسية التي تعبّر عن اللحظة العالمية الحالية عبر عودة منطق “القوة ‏العارية” في العلاقات الدولية، والتعامل مع العالم كصفقاتٍ ونفوذ ومناطق تأثير. في هذا المناخ، يصبح الحديث عن ‏‏“الإمبراطوريات” أكثر واقعية. ترامب،وفق ما يراه مؤيدوه، يريد إعادة ترتيب الخريطة بالقوة: فمن يتحدّى يُعاقَب، ومن يفاوض ‏يُكافأ، ومن يضع نفسه خارج اللعبة يُترك للريح. ووفق ما يراه خصومه،هو يسير نحو فكرة إمبراطورية أميركية جديدة تُعيد ‏تعريف الشرعية الدولية بحسب المصلحة‎.‎

لكن الأهم من الشخص هو المناخ الذي يمثله: فالعالمٌ يُعاد تقسيمه بين مراكز قوة، حيث تُدار الحروب عن بُعد، وتُصنع التحالفات ‏كالسوق، وتُختصر الدول الضعيفة إلى ساحات اختبار. في هذه الاجواء لا تُبنى الإمبراطوريات على الأرض بشكلٍ مباشر، بل ‏تُدار من “مدن مركزية”: واشنطن، موسكو، بكين، تل أبيب… وربما عواصم أخرى. وتبقى الأرض، القارة “الإمبراطورية” ‏بمعنى المجال الحيوي، مسرحًا لمن يحافظ على النفوذ، ويمنع الخصم، ويضمن المرور والممرات والمصالح‎.‎

وما نعيشه اليوم هو صراع بين مشاريع إمبراطوريات ، تريد ابتلاع الجغرافيا بطرق مختلفة.‎ المشروع الفارسي يمدّ ولاية الفقيه كشبكة‎.‎و مشروع الخلافة السنية المتشددة الذي يعيش على الفوضى ويحوّل الدين إلى دولة حرب‎ و المشروع الإسرائيلي الذي يوسّع المجال بالأمن والتكنولوجيا والتفوّق‎.‎ واخيرا مشروع الإمبراطوريات الافتراضية التي تُعيد تشكيل العقول قبل الخرائط‎.‎

وسط هذا كله، الخطر الأكبرهو أن تتحول شعوبنا إلى أدواتٍ في الغزو، و أن ‏يحرس أبناء البلد مشروعًا لا يشبههم، وأن يرفعوا راياتٍ فوق أوطانهم لا تعترف بالأوطان. فحينها تصبح الإمبراطورية العقائدية أقوى ‏من الدولة، وتصبح الفتوى أقوى من الدستور، وتصبح المنصّة أقوى من البرلمان‎.‎ و..نعم يمكننا القول ان القرن الواحد والعشرون لا يُنهي الإمبراطوريات… انما يُعيد ابتكارها. والسؤال الذي سيحسم مصير منطقتنا ليس من سينتصر؟ ‏بل: هل نملك دولةً تحمي مواطنيها من أن يتحولوا إلى وقودٍ لمشاريع لا تنتمي إليهم؟

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني