بشير طوق… اسم ما “بيخوّف”

اندريه قصاص
خاص الحدث كندا
في أحد اللقاءات مع السفير اللبناني الجديد في اوتاوا بشير طوق قالت له سيدة تنتمي إلى أحد الأحزاب اللبنانية، التي ترتكز عقيدته على “الأمة الخالدة”: “اسمك بيخوف”، في إشارة بالطبع إلى اسمه الأول وما يرمز إليه في الوجدان المسيحي، وإلى اسم عائلته البشرانية. لكنها أضافت: إلاّ أن هذه الخشية تبدّدت بعد أن استمعنا إليك وإلى تطلعاتك ومشاريعك في مهمتك الديبلوماسية الجديدة، خصوصًا بعدما لمسنا مدى عمق اطلاعك على وضع الجالية اللبنانية في مختلف المقاطعات الكندية، حيث لهم حضور وازن وفاعل، وقد سررنا عندما سمعنا منك بأنك على مسافة واحدة من الجميع، وأن أبواب السفارة مفتوحة أمامهم جميعًا من دون استثناء.
هذا الكلام ليس شعرًا، بل حقيقة يلمسها جميع الذين يزورون السفير طوق لتهنئته. صحيح أن اسمه بشير، ويفتخر به. وصحيح أنه ينتمي إلى إحدى العائلات البشرانية العريقة، ويتباهى بهذا الانتماء، الذي تمتدّ جذوره عميقة في تاريخ لبنان وجبّة بشري. ولكن الصحيح أيضًا أنه ابن الدولة اللبنانية، وهو في اوتاوا يمثّلها. وعلى هذا الأساس يبني علاقاته مع الدولة الكندية أولًا، ومع أبناء وطنه أولًا وثانيًا وثالثًا ورابعًا. هكذا كانت مسيرته في المهام الديبلوماسية، التي تولى مسؤوليتها، سواء في ديترويت أو في تونس أو في واشنطن. وهكذا ستكون في كندا، حيث التجمّع الاغترابي الحديث الأكبر.
من هنا، لا يبدو أن السفير طوق آتٍ إلى أوتاوا لملء موقع ديبلوماسي شاغر، بل لتأدية مهمة وطنية بامتياز، عنوانها استعادة ثقة الجالية اللبنانية بدولتها، في زمن اهتزّت فيه هذه الثقة إلى حدّها الأقصى. فهو يدرك أن أبناء الجالية في كندا لم يهاجروا ترفًا، بل هربًا من وضع ميؤوس منه، وبسبب شعورهم بأن دولتهم خذلتهم، وأن دور السفارة يجب الا يقتصر على المعاملات القنصلية الروتينية فقط، على رغم أهميتها، بل أن يكون مساحة أمان ومرجعية جامعة، تستمع قبل أن تُقرِّر، وتحتضن قبل أن تُصنِّف.
ويُسجَّل للسفير طوق، ومنذ اليوم الأول لتسلمه مهامه الديبلوماسية في اوتاوا، تأكيده أن خدمة اللبنانيين في كندا ليست منّة ولا شعارًا إعلاميًا، بل واجب بديهي. فالجالية اللبنانية، بما تختزنه من طاقات علمية واقتصادية وثقافية، تستحق مقاربة مختلفة، تقوم على الشراكة لا الوصاية، وعلى التواصل الدائم لا الموسمي. وهذا ما يفسّر حرصه على الانفتاح على مختلف المكونات، بعيدًا من الاصطفافات الحزبية والطائفية، وعلى جعل السفارة بيتًا لجميع اللبنانيين.
في المحصّلة، قد يكون اسم بشير طوق “بيخوّف” لدى البعض، على حدّ ما قالته تلك السيدة الحزبية، لكنه في الجوهر يبعث إلى الاطمئنان. لأن الخوف الحقيقي لا يأتي من الأسماء ولا من الانتماءات، بل من الغياب، ومن إدارة الظهر للناس. أما عندما يكون السفير حاضرًا، مُنصتًا، وواضحًا في تمثيله للدولة لا لذاته ولا لمرجعيته، فذلك هو المعنى الحقيقي للدبلوماسية، كما يجب أن تكون، وهذا ما هو عازم على ممارسته بشير طوق.
ففي بلدٍ اعتاد أن يصدّر أزماته إلى أبنائه في الاغتراب، تبدو مهمة السفير طوق في كندا فعلًا سياسيًا بامتياز، لا مجرّد تعيين إداري. أن تمثّل الدولة اللبنانية اليوم يعني أن تواجه إرثًا ثقيلًا من الإهمال، وأن تُعيد تعريف العلاقة بين الدولة ومواطنيها في الخارج، بعد سنوات من التعاطي معهم كمموّلين صامتين أو كأرقام انتخابية تُستحضر عند الحاجة وتُنسى بعدها.
هنا تحديدًا تتقدّم مقاربة بشير طوق، لا بوصفه سفيرًا لمرحلة زمنية، بل بصفته ممثلًا لدولة يفترض أن تكون واحدة لا تتجزأ. فتح السفارة أمام جميع اللبنانيين، والوقوف على مسافة واحدة من الجميع ليسا مجرد شعارين، بل موقف سياسي واضح في وجه منطق المحاور والانقسامات الذي دمّر الداخل اللبناني وامتدّ بتداعياته إلى الاغتراب. فالدبلوماسية، في هذه اللحظة اللبنانية الحرجة، إمّا أن تكون سيادية جامعة، وإمّا أن تتحوّل امتدادًا للأزمة نفسها.
قد يكون اسم بشير طوق “بيخوّف” عند من اعتادوا تصنيف الناس وفق أسمائهم وخلفياتهم، لكن ما يُفترض أن يُخيف فعلًا هو استمرار دولة بلا حضور، وسفارات بلا دور، وتمثيل رسمي بلا جرأة. أمّا حين يكون السفير حاضرًا، وواضحًا في انحيازه إلى الدولة وحدها، وفي دفاعه عن حق اللبنانيين في خدمة محترمة وعلاقة كريمة مع وطنهم، عندها فقط يمكن القول إن الديبلوماسية اللبنانية ما زالت قادرة على استعادة معناها. وفي كندا، حيث الجالية اللبنانية لاعب وازن ومؤثّر، يبدو أن هذا الرهان بدأ يأخذ شكله العملي، لا الكلامي.
مع بشير طوق ما في شي بيخوّف، وليضع الجميع أيديهم في مياه باردة.
alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

