بين «أمميّة» عون و«إقلمة» برّي: من يرسم الدور الإيراني في جنوب لبنان؟

رؤوف نجم

بين رئيسٍ يريد أن يكتب مستقبل الجنوب بحبر الأمم المتحدة، ورئيسِ مجلسٍ يصرّ على أن تمرّ التسوية من بوابة التفاهم الإيراني–السعودي، يجد لبنان نفسه معلّقًا بين ثلاث طاولات: طاولةِ مجلس الأمن، وطاولةِ العواصم الإقليمية، وطاولةِ الميدان حيث ما زالت إسرائيل وحزب الله يتبادلان رسائل النار. في هذا الاشتباك على المرجعيات، لا يبدو السؤال: «من يربح؟» بقدر ما هو: «هل يستطيع اللبنانيون انتزاع استقلالٍ ثالث، هذه المرّة عن وصاية المحاور لا عن انتدابٍ كلاسيكي فقط؟».

منذ إطلالة الرئيس جوزف عون من الجنوب معلنًا مبادرة خماسية لترتيب الوضع الحدودي، بدا واضحًا أن رئاسة الجمهورية تميل إلى حلّ يقوم على توسيع المظلّة الأممية: تثبيت القرار 1701، توسيع دور الأمم المتحدة وقوات «اليونيفيل»، وانتشارٍ منسّق للجيش اللبناني في كل نقطة تنسحب منها إسرائيل، بما يكرّس عمليًا مبدأ «الدولة الواحدة والسلاح الشرعي الواحد». هذه المقاربة تقدّم الجنوب كنموذج لاستعادة الدولة لقرار السلم والحرب، تحت سقف الشرعية الدولية، وبعيدًا قدر الإمكان عن منطق المحاور.

في المقابل، يتصرّف رئيس مجلس النواب نبيه برّي وفق مقاربة موازية لا تتقاطع بالضرورة مع هذه الرؤية. برّي يربط أي حلّ فعلي في الجنوب – وفي لبنان عمومًا – بتفاهمٍ إقليمي أوسع، تتقدّمه المعادلة الإيرانية–السعودية، أو على الأقل توازنات جديدة بين طهران والعواصم العربية. بهذا المعنى، لا يرفض برّي الدور الأممي، لكنه يفضّل أن يولد الحلّ من مطابخ الإقليم أولًا، ثم يُلبَس لاحقًا ثوبًا دوليًا في مجلس الأمن، بدل أن يُفرض من الخارج على «محور المقاومة» وسلاحه.

هنا يبرز السؤال الأشدّ حساسية: هل يعيد برّي، بهذه المقاربة، تكريس إيران لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلة الجنوب، بعدما حاولت إسرائيل عبر الحرب تحجيم هذا الدور ومحاصرته؟ عمليًا، لم تنجح تل أبيب في انتزاع الورقة الإيرانية من الساحة اللبنانية، بقدر ما كشفت كلفة هذا النفوذ على الداخل اللبناني. غير أنّ ربط التسوية المنتظَرة في الجنوب بتفاهمٍ إيراني–سعودي يعطي طهران مجددًا موقع «الشريك» في صناعة الحل، لا مجرّد الطرف المتهم بإشعال الجبهات عبر حلفائه.

بين «أممية» عون التي تراهن على مجلس الأمن وقراراته، و«إقلمة» برّي التي تعيد فتح الباب أمام طهران والرياض لترتيب البيت اللبناني والحدودي، يبقى الجنوب ساحة اختبار حقيقية لمستقبل الدولة نفسها: هل تنجح في فرض منطقها على السلاح والحدود، أم تُعاد صياغة التوازنات فوق أرضها بين محورٍ إقليمي وشرعيةٍ دولية، فيما المواطن يدفع وحده ثمن كل هدنةٍ معلّقة وكل تسويةٍ مؤجّلة؟

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني