الحدث كندا – خاص

رؤوف نجم

تبدو حركة «اجعلوا أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA)، التي حملت دونالد ترامب إلى ولاية رئاسية ثانية وأرعبت خصومه في الحزبين الجمهوري والديمقراطي، وكأنها تدخل اليوم في مرحلة «فوضى مت metastasizing mess» كما وصفها موقع «أكسيوس» في تقرير تحليلي حديث. الحركة التي قدّمت نفسها كصوت الطبقة العاملة البيضاء وراية «أميركا أولاً»، تتآكل اليوم من الداخل بين أجنحة متصارعة، في وقت تستعد فيه إدارة ترامب الثانية لملفات كبرى تمتد من تل أبيب إلى الرياض، وتطال مباشرةً خارطة الشرق الأوسط ومستقبل لبنان والمنطقة.

منذ أشهر قليلة فقط، كانت MAGA أشبه بآلة انتخابية وإعلامية منضبطة: قواعد شعبية متحمّسة، نواب جمهوريون يخشون غضبها، وشبكة إعلامية واسعة من مقدّمي البرامج والمؤثّرين على منصات التواصل. اليوم، بحسب «أكسيوس»، المشهد مختلف تماماً: الحركة نفسها تحوّلت إلى ساحة اشتباك بين قوميين بيض، ونشطاء «أميركا أولاً» المتشدّدين، ومؤثرين يمينيين يسعون وراء المال والنجومية، وبين ترامب نفسه الذي يبدو أقرب فأقرب إلى عالم المليارديرات و«التيك بروز» وشركات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.

في قلب هذه الفوضى، تبرز مسألة السياسة الخارجية، وفي قلبها طبعاً إسرائيل والمنطقة. جزء واسع من تيار «أميركا أولاً» يرى أن انشغال ترامب بالحروب والصفقات خارج الحدود – من دعم إسرائيل في حروبها إلى الحديث عن فنزويلا وأوكرانيا – يشكّل خيانة لوعد التركيز على الداخل الأميركي، وعلى الطبقة المتوسطة التي صوّتت له من مدن صغيرة مسحوقة في الوسط الأميركي. هؤلاء يتساءلون: كيف يمكن لحركة رفعت شعار «أوقفوا الحروب التي لا نهاية لها» أن تعود إلى منطق التحالفات العسكرية والتطبيع والصفقات الكبرى مع أنظمة في الشرق الأوسط، بينما يعاني الأميركي العادي من التضخم وغلاء المعيشة وفوضى الحدود والمخدرات؟

إلى جانب هذا الانقسام حول إسرائيل والحروب، يطلّ وجه أكثر قتامة داخل الحركة: صعود تيار قومي أبيض واضح، يمثله ناشطون مثل نِك فوينتِس وآخرين لا يترددون في تبنّي خطاب عنصري وجندري معلن. هؤلاء يتحرّكون في الفضاء نفسه الذي تتحرّك فيه MAGA، ويستقطبون جزءاً من الشباب الغاضب، ما يزيد من إحراج ترامب وحلفائه التقليديين في الحزب الجمهوري، ويضعهم تحت ضغط دائم بين الحفاظ على القاعدة المتطرفة، وعدم الانتحار انتخابياً أمام الرأي العام الأميركي الأوسع.

الاشتباكات لا تقف عند حدود الأيديولوجيا، بل طالت أيضاً وجوه اليمين الإعلامي نفسه: سجال حاد بين تاكر كارلسون وبن شابيرو حول إسرائيل وحدود «حرية التعبير»، واتهامات متبادلة بالنفاق والرقابة؛ ثم معركة قاسية بين ترامب ونائبته السابقة في الكونغرس مارجوري تايلور غرين، التي تطرح نفسها اليوم كصوت «أميركا أولاً فقط»، وتلمّح إلى أن ترامب لم يعد مخلصاً للنقاء الأيديولوجي الذي أوصل الحركة إلى البيت الأبيض.

هذا الشرخ يعمّق شعوراً آخر داخل القاعدة: أن «ماركة MAGA» نفسها تحوّلت إلى وسيلة لجمع الأموال وتوزيع المنافع، وأن الفساد والمحسوبية في محيط ترامب لا تقلّ عما يدرَّس في كتب التاريخ عن أنظمة تستعمل الغضب الشعبي سلّماً للوصول إلى السلطة، قبل أن تتحالف مع النخب الاقتصادية نفسها التي كانت تهاجمها.

مع ذلك، لا يزال ترامب حتى اللحظة قادراً على الاحتفاظ بولاء الأسماء الأكبر نفوذاً داخل الحركة. يتجنّب الغوص في كل المعارك الجانبية، ويترك الأجنحة المختلفة تتصارع فيما بينها، فيما يركّز هو على ملفّات كبرى: من إعادة رسم العلاقة مع تل أبيب، إلى مفاوضات حساسة مع الرياض حول صفقة تطبيع وسلاح واستثمارات، إلى إدارة ملفات مثل الهجرة والاقتصاد والتكنولوجيا. لكن ما تكشفه هذه الفوضى هو أن قدرة MAGA على التصرف كـ«جيش موحّد» خلف زعيم واحد بدأت تتآكل، وأن أي «وريث» محتمل لترامب سيجد نفسه محاصراً في حقل ألغام.

في هذا السياق يظهر اسم نائب الرئيس J.D. Vance كوريث نظري محتمل لترامب داخل MAGA. فينس أكثر التصاقاً بثقافة اليمين الرقمي، وأكثر انخراطاً في معارك المنصات والبودكاستات، ما يجعله مكشوفاً أمام الانقسامات اليومية داخل الحركة: من الاشتباك مع قوميين بيض متطرفين، إلى الحفاظ على علاقة مع المؤثرين الأكبر جمهوراً، مروراً بمحاولة التوفيق بين شعار «أميركا أولاً» ومتطلبات إدارة دولة عظمى تحتاج إلى تحالفات عسكرية واقتصادية حول العالم. لكنّ ما يفتقده فينس، حتى الآن، هو تلك الهالة العاطفية التي يملكها ترامب لدى القاعدة، والتي تجعل الأخير قادراً على النجاة من عواصف كان يمكن أن تطيح بأي سياسي آخر.

هذه الفوضى الأميركية ليست شأناً داخلياً فحسب. في الشرق الأوسط، حيث تتشابك المصالح الأميركية مع أمن إسرائيل، والطموح السعودي، ومستقبل الملف الإيراني واللبناني والسوري، يصبح أي اهتزاز في مركز القرار في واشنطن عاملاً إضافياً من عدم اليقين. إدارة أميركية يمينية منقسمة على نفسها بين «واقعية» تميل إلى الصفقات والتحالفات، و«شعبوية» تريد الانكفاء إلى الداخل، قد تنتج سياسات متناقضة: تشجيعاً للتطبيع من جهة، وتردّداً في الانخراط العسكري المباشر من جهة أخرى؛ ضغطاً إعلامياً على «الدولة العميقة» والبيروقراطية الأمنية، وفي الوقت نفسه اعتماداً عملياً على هذه الأجهزة لإدارة الملفات الحساسة من غزة إلى جنوب لبنان.

يُضاف إلى ذلك ملف آخر ملتهب في واشنطن: السعي إلى كشف مزيد من وثائق قضية جيفري إبستين وعلاقاته بشخصيات سياسية ومالية كبرى. هذا الملف، الذي يتقاطع مع غضب القاعدة من «نخبٍ فاسدة تحمي نفسها»، يمثّل هو الآخر ساحة مواجهة بين ترامب وبعض حلفائه السابقين في الكونغرس، مثل مارجوري تايلور غرين. بالنسبة إلى الكثير من أنصار MAGA، يشكّل إبستين رمزاً لمنظومة مغلقة تجمع المال والسلطة والانحراف الأخلاقي، يرون أن على ترامب وفريقه تحطيمها لا التعايش معها. لكن الواقع السياسي يفرض حسابات أكثر تعقيداً، تجعل من الخطاب الثوري شيئاً، والممارسة في أروقة الحكم شيئاً آخر.

بالنسبة للقارئ العربي واللبناني، تبدو هذه التفاصيل للوهلة الأولى بعيدة عن هموم اليوميات: الليرة، الكهرباء، الحرب، الهجرة. لكن التطور الفعلي في واشنطن، حيث تتشكل سياسات العقوبات والمساعدات والمبادرات الدبلوماسية، سيحدّد إلى حد كبير ملامح المرحلة المقبلة في المنطقة. فحركة يمينية أميركية مضطربة، مشدودة بين راديكالية قومية بيضاء، وشعبوية معادية للمؤسسة، وقيادة براغماتية تميل إلى الصفقات، ستنتج بالضرورة قرارات متناقضة، قد تفتح نافذة فرص هنا، وتغلق أخرى هناك.

من هنا، لا بدّ للفاعلين في المنطقة، ولبنان جزء منها، من قراءة ما يحدث داخل MAGA بوصفه أكثر من مجرد «دراما يمينية» على شاشات أميركية، بل بوصفه صراعاً على طبيعة القوة الأميركية نفسها: هل هي قوة إمبراطورية تواصل إدارة النظام العالمي من موقع المتحكم، أم قوة متعبة تسعى للانسحاب وتترك فراغاً تتنافس على ملئه قوى إقليمية ودولية جديدة؟

في عالم مترابط كهذا، قد تبدأ القصة بتغريدة غاضبة بين تاكر كارلسون وبن شابيرو، أو بمشادّة بين ترامب ومارجوري تايلور غرين، لكنها لا تنتهي هناك. صدى هذه الفوضى يصل إلى طاولة مفاوضات في الرياض، وإلى غرفة عمليات في تل أبيب، وإلى عاصمة مأزومة مثل بيروت، تراقب عن كثب: أيّ أميركا ستتعامل معها في السنوات المقبلة – أميركا الصفقات أم أميركا الغضب؟

استند هذا التحليل إلى تقرير «Axios – Behind the Curtain: MAGA’s metastasizing mess» لمايك آلن (16 تشرين الثاني 2025).