قاسم يعلن «دويلته» داخل لبنان: يطمئن المستوطنات ويواجه مواطنيه

Last Updated: نوفمبر 13, 2025Categories: أخبار لبنان, كتاب الموقع

رؤوف نجم

الحدث كندا – خاص

أعاد خطاب نائب الأمين العام لـ«حزب الله» الشيخ نعيم قاسم في ذكرى «يوم الشهيد» فتح الاشتباك السياسي الداخلي حول معنى السلاح ودور الاتفاقات الدولية في رسم مستقبل الجنوب، لكن هذه المرّة من زاوية معاكسة لما أراده قاسم نفسه. فبدل أن يُحرج خصومه، وجد نفسه في مواجهة ردّ سيادي منظّم، انطلق من عبارة واحدة مفصلية وردت في الخطاب: «لا خطر على المستوطنات الشمالية» إذا نُفِّذ اتفاق 27 تشرين الثاني 2024.

السياديون قرأوا في هذه العبارة وما رافقها محاولة لتكريس معادلة جديدة: تطمين ضمني لإسرائيل على أمن مستوطناتها، مقابل تأكيد الإبقاء على سلاح «حزب الله» شمال الليطاني، بما يُحوِّل هذا السلاح من «أداة مقاومة» إلى عنصر ضغط داخلي على الدولة والقوى السياسية الرافضة لهيمنة المحور الإيراني على القرار اللبناني.

في مقدّمة الردود، جاء موقف حزب الكتائب الذي اعتبر أن قاسم «يطمئن الإسرائيليين ويقلق اللبنانيين في آن واحد». البيان الكتائبي شدّد على أنّ مَن يعلن جهارًا أنّ لا خطر يتهدّد المستوطنات الشمالية، وأنه لا مشكلة في أن ينتشر الجيش اللبناني وحده جنوب الليطاني، إنما يعترف عمليًا بأن المواجهة مع إسرائيل محكومة باتفاق واضح المعالم، وأن وظيفة السلاح خارج هذا الإطار لم تعد مفهومة. وسأل الكتائبيون بوضوح: إذا كان الأمن على الجبهة الجنوبية مضبوطًا باتفاق دولي وتفاهمات لبنانية–داخلية، فلماذا الإصرار على الإبقاء على ترسانة عسكرية ضخمة خارج الشرعية شمال الليطاني؟ ولأي مهمة؟

أكثر الردود تفصيلاً جاء من «القوات اللبنانية» ورئيسها سمير جعجع، الذي اختار مقاربة قانونية – سياسية بدل السجال الشعاراتي. جعجع ذكّر بنص القرار 1701 وبالمرجعيات الدولية المتفرعة عنه (1559، 1680، واتفاق الطائف)، ليؤكد أن مبدأ بسط سلطة الدولة على كامل الأراضي اللبنانية ليس قابلاً للتجزئة ولا للتفسير على قياس أي فريق. ومن هذه الزاوية تحديدًا، اعتبر أن حصر قاسم لاتفاق 27 تشرين بمنطقة ما جنوب الليطاني يتجاهل روحية ومقدّمة الاتفاق التي تنص على حصرية السلاح بيد الجيش اللبناني، وعلى تفكيك البنى العسكرية غير الشرعية، بدءًا من الجنوب لكن ليس انتهاءً به.

الأهم أنّ «القوات» أعادت التذكير بقرار مجلس الوزراء الصادر في 7 آب 2025، الذي يقرّ صراحة بإنهاء الوجود المسلّح لكل الجهات غير الحكومية في جميع المناطق اللبنانية، وهو قرار شارك ممثلو «حزب الله» أنفسهم في مناقشته داخل الحكومة. بهذا المعنى، بدا خطاب قاسم بالنسبة إلى السياديين محاولة متأخرة لتعديل قواعد لعبة سبق أن توافق عليها مجلس الوزراء والمجتمع الدولي، وجاءت الحرب الأخيرة لتُكرّسها في نص مكتوب لا في تفاهمات مبهمة.

على الخط نفسه، توجّه النائب فؤاد مخزومي إلى قاسم بسؤال مباشر: إذا كنّا جميعًا متّفقين على أن لبنان لا يحتمل حربًا جديدة، وأن «الحكمة» اليوم هي في عدم الذهاب إلى مواجهة شاملة مع إسرائيل، فما معنى الإبقاء على سلاح خارج الدولة يقرّر وحده متى تُفتح الجبهة ومتى تُغلق؟ برأي مخزومي، السلاح الذي يُستخدم اليوم كأداة تفاوض وتهديد داخلي يفقد شرعيته الأخلاقية والسياسية، خصوصًا عندما يصبح جزءًا من لعبة الرسائل الإقليمية بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بينما يدفع اللبنانيون وحدهم ثمن الانهيار والعزلة.

مصادر وزارية قريبة من الخط السيادي رأت من جهتها أن الخلل الأخطر في خطاب قاسم ليس فقط في تطمين المستوطنات بل في تغييب أمن اللبنانيين عن أولوياته. فهو، بحسب هذه المصادر، يتحدث عن «عدم تهديد المستوطنات الشمالية» ولا يخصص الجملة نفسها لأهالي الجنوب الذين يعيشون بين خطوط النار، ولا لباقي اللبنانيين الذين ينتظرون استقرارًا حقيقيًا يسمح بإطلاق ورشة إنقاذ اقتصادي وإعادة بناء الثقة مع العالم. وهنا يطرح السياديون سؤالاً لافتًا: لماذا يَسهل على قائد في «حزب الله» أن يرسل رسالة طمأنة إلى سكان إسرائيل، ويصعب عليه أن يرسل رسالة مماثلة إلى أبناء وطنه بأن زمن السلاح خارج الدولة يقترب من نهايته؟

في الخلفية، يرى الخط السيادي أن خطاب قاسم لم يكن مجرّد احتفال بذكرى «يوم الشهيد»، بل محاولة لإعادة رسم حدود السجال حول اتفاق 27 تشرين: قبول شكلي بالانسحاب الإسرائيلي جنوب الليطاني وانتشار الجيش هناك، مقابل رفض كامل لأي بحث في مصير سلاح الحزب في باقي المناطق. وكأن المعادلة الجديدة تقول: «نُخفّف الضغط عن إسرائيل على الحدود، ونزيده على الدولة في الداخل». هذه القراءة تفسّر حدّة الردود التي وصلت إلى حدّ القول إنّ خطاب قاسم «كرّس عمليًا وظيفة السلاح في الداخل لا على الجبهة».

في المقابل، يحرص السياديون على تثبيت المبدأ الذي ينطلقون منه: لا استقرار حقيقيًا في لبنان من دون تطبيق كامل للقرارات الدولية، ولا إمكانية لأي إصلاح اقتصادي أو إعادة إعمار سياسي في ظل وجود جيشين وسياستين وخطابَيْن متناقضَيْن حول الحرب والسلم. من هنا، يُنظر إلى خطاب قاسم على أنه فرصة إضافية لتوضيح الخيارات: إمّا دولة واحدة بجيش واحد وسلاح واحد وحدود مضبوطة باتفاقات واضحة، وإمّا استمرار «الاستثناء» الذي يمنح فريقًا واحدًا حق اتخاذ قرار الحرب والسلم باسم كل اللبنانيين.

بهذا المعنى، يمكن القول إنّ ردّ السياديين على خطاب نعيم قاسم لم يكن مجرّد سجال لفظي، بل محاولة لوضع النقاش في إطاره الجوهري: هل نريد أن يكون اتفاق 27 تشرين محطة انتقال نحو دولة تستعيد احتكار السلاح والقرار، أم بوابة لتثبيت واقع «دويلة» موازية تبرّر سلاحها تحت شعار المقاومة فيما تُطمئن عمليًا أمن المستوطنات وتُبقي الداخل اللبناني معلّقًا على حبال التهديد والضغط؟

هذا السؤال، على الأرجح، لن يُحسم في البيانات والردود الإعلامية، بل في قدرة القوى السيادية على ترجمة خطابها إلى ميزان قوى سياسي وشعبي، وفي استعداد المجتمع الدولي للذهاب حتى النهاية في دعم خيار الدولة الواحدة، لا الاكتفاء بإدارة هدنة متقطّعة على الحدود تترك النار مشتعلة في الداخل.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني