إسرائيل تقرأ لبنان من الجنوب: ضغط بالنار وانتظار لتنازلات سياسية
الحدث كندا
رؤوف نجم
تُجمع معظم الصحف والمواقع الإسرائيلية في مقاربتها للبنان خلال الأسابيع الأخيرة على زاوية واحدة تقريبًا: الجبهة الجنوبية وحزب الله. فلبنان، كما يظهر في هذه التغطيات، ليس ساحةً سياسية متعدّدة الأبعاد، بل خط تماس تُختبَر عليه قدرة الدولة على كبح الحزب، وقدرة واشنطن على فرض ترتيبات أمنية دائمة.
تنطلق هذه المقاربة من الغارات الإسرائيلية المتكرّرة على مواقع في جنوب لبنان. هذه الغارات، كما تشرح التحليلات العبرية، ليست مقدّمة لحرب واسعة، بل “روتين ضغط” يُبقي بيروت تحت إيقاع عسكري ثابت، بحيث يصبح الدخول في المسار الذي ترعاه الولايات المتحدة أقلّ كلفة على الجانب اللبناني. فإسرائيل لا تريد السماح لحزب الله بأن يُرمّم ما خسره في جولات التوتّر الماضية، لكنها في الوقت نفسه لا تبدو متحمّسة لفتح جبهة شاملة.
على خطٍ موازٍ، التقطت الصحف العبرية الكلام اللبناني – الأميركي عن جدول زمني لتجريد المجموعات غير الحكومية من السلاح قبل نهاية 2025، وقدّمته كفرصة نادرة إذا صَدَق تنفيذها. غير أنّ النبرة الغالبة كانت تشكّكية: من يضمن أن الجيش اللبناني قادر فعلًا على فرض هذا القرار في بيئة يملك فيها حزب الله فائض قوّة وسلاحًا وغطاءً إقليميًا؟ هذا السؤال يُستَخدم في الإعلام الإسرائيلي لتبرير استمرار العمليات الجوية وعدم تخفيض الجهوزية شمالًا.
وتُضيف تحليلات أخرى بُعدًا مرتبطًا بالانتشار الدولي، إذ تربط بين أي تراجع في دور “اليونيفيل” في الجنوب وبين عجز الدولة اللبنانية عن ملء الفراغ. ووفق هذا المنطق، فإن أي مساحة تُخليها الأمم المتحدة ستذهب تلقائيًا إلى نفوذ حزب الله، ما يعني أن الاستقرار سيبقى هشًّا وأنّ الجيش الإسرائيلي سيواصل سياسة “الضربات المُعايَرة” لمنع الحزب من توسيع انتشارِه أو تحسين ترسانته.
في خلفية هذا كلّه قراءة إسرائيلية للواقع اللبناني الداخلي: أزمة اقتصادية عميقة، انقسامات سياسية، وحاجة دائمة إلى الغطاء الغربي. لذلك تُقدَّم المعادلة على الشكل الآتي: إذا أراد لبنان وقف الاستهدافات واستعادة جزء من المساندة الدولية، فعليه أن يُظهر قدرة حقيقية على ضبط حزب الله جنوبًا، ولو بحدّها الأدنى المتعلّق بالتحرّك قرب الحدود.
اذن الجبهة اللبنانية بالنسبة إلى إسرائيل لم تُقفل بعد، بل تُدار بالنار والوساطات معًا. وإلى أن تظهر خطوات لبنانية ملموسة، ستستمر تل أبيب في معادلتها الحالية: ضغط عسكري محسوب، وانتظار لتنازلات أمنية وسياسية من الدولة في بيروت.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

