مجمع نيقيا: ما هو؟ والنقاط التي اجمع المسيحيون عليها

رؤوف نجم
يُعتبر مجمع نيقية بداية تقليد المجامع المسكونية السبعة الأولى التي شكّلت العقيدة المسيحية الكلاسيكية في القرون اللاحقة. لم تُنْهِ قراراته الجدل الأريوسي فورًا؛ استمرّ النزاع عقودًا، وعُقدت مجامع أخرى مؤيّدة أو معارضة لنيقية، إلى أن ثُبّت “الخط النيقاوي” نهائيًا في مجمع القسطنطينية الأول سنة 381م.
ففي سنة 325 للميلاد، دعا الإمبراطور قسطنطين الكبير أساقفة الكنيسة إلى الاجتماع في مدينة نيقية، الواقعة في بيثينية (إزنيك في تركيا اليوم)، بهدف وضع حدّ لانقسام عقائدي حادّ تفجّر داخل الكنيسة حول تعليم الكاهن أريوس في الإسكندرية، والذي اعتبر أن الابن أقلّ من الآب وأنه مخلوق وليس أزليًا.
ناقش الأساقفة المجتمعون طبيعة علاقة الابن بالآب، وبرزت داخل القاعة صيغان متعارضتان: الأولى تقول إن الابن «مشابه في الجوهر» للآب، والثانية تصرّ على أنه «مساوٍ للآب في الجوهر». وبعد مناظرات طويلة حُسمت المعركة العقائدية لصالح الصيغة الثانية، التي أكّدت أن المسيح «إله حق من إله حق، مولود غير مخلوق، مساوٍ للآب في الجوهر»، وتمّ إدانة تعليم أريوس ونفيه مع قلّة قليلة من المؤيدين.
إلى جانب هذا الحسم العقائدي، صاغ المجمع صيغة أولى لقانون الإيمان النيقاوي الذي سيُستكمل لاحقًا في مجمع القسطنطينية، مؤكّدًا ألوهية الابن ومساواته للآب، وتجسّد المسيح وصلبه وقيامته، ليصبح هذا القانون لاحقًا النص المرجعي الذي تتلوه معظم الكنائس في صلواتها حتى اليوم.
وفي ما يتعلّق بعيد الفصح، عالج المجمع الخلاف القائم حول موعد الاحتفال بالقيامة بين الكنائس المختلفة، فقرّر أن يُحتفل به في كل الكنيسة في يوم واحد، على أن يكون الأحد الذي يلي أول اكتمال للقمر بعد الاعتدال الربيعي، وبذلك أرسى مبدأ توحيد تاريخ العيد على أساس حساب فلكي مشترك واستقلال نسبي عن التقويم اليهودي، وإن ظلت التفاصيل الحسابية تُطوَّر في القرون اللاحقة.
أما على المستوى الانضباطي والتنظيمي، فقد أصدر مجمع نيقية نحو عشرين قانونًا كنسيًا تنظّم حياة الكنيسة، من بينها تحديد شروط سيامة الأساقفة والكهنة، والتشديد على ألا يُرسم أسقف إلا بحضور عدد من الأساقفة وموافقة المتروبوليت، فضلاً عن تثبيت امتيازات الكراسي الكبرى في روما وأنطاكية والإسكندرية، ومعالجة أوضاع بعض الانشقاقات الداخلية مثل الانشقاق الميليتي في مصر. كما تناولت هذه القوانين جوانب ليتورجية، منها منع الركوع في الصلاة أيام الآحاد وخلال زمن القيامة تعبيرًا عن الفرح بالقيامة.
بهذه العناصر العقائدية والتنظيمية معًا، لم يكن مجمع نيقية مجرّد اجتماع عابر للردّ على شخص أريوس وتعليمه فحسب، بل تحوّل إلى محطة تأسيسية رسمت الإطار اللاهوتي والكنسي الذي انطلقت منه باقي المجامع المسكونية، وأسهمت في صياغة لغة الحوار والجدل داخل الكنيسة عبر القرون، ما يفسّر استعادة ذكراه اليوم في سياق أي حديث عن جذور العقيدة المسيحية .
alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني
