لقاء الناقورة: بين وقف إطلاق النار وهاجس التطبيع

رؤوف نجم

شهد مقرّ قوات “اليونيفيل” في الناقورة انعقاد لقاء هو الأوّل من نوعه منذ عقود بين ممثلين مدنيين من لبنان وإسرائيل، في إطار آلية لمراقبة وقف إطلاق النار القائم على الجبهة الجنوبية منذ نحو سنة. اللقاء الذي ضمّ ممثلين عن لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة وفرنسا و”اليونيفيل”، فتح باب الأسئلة حول طبيعته وحدوده: هل هو مجرّد خطوة تقنية لتثبيت الهدنة، أم مدخل بطيء إلى مسار أوسع يحمل أبعاداً سياسية واقتصادية؟

بحسب ما نشره موقع Times of Israel، فإن الاجتماع يُقدَّم في إسرائيل على انه”محاولة أولية لوضع أساس لعلاقة وتعاون اقتصادي بين إسرائيل ولبنان”، مع الإشارة إلى أجواء “إيجابية” واتفاق على تطوير أفكار لمشاريع محتملة، بالتوازي مع تشديد تل أبيب على أن نزع سلاح “حزب الله” يبقى شرطاً إلزامياً لأي تقدّم فعلي.

في المقابل، يحرص رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام، ومسؤولون لبنانيون آخرون، على نفي أي طابع تطبيعي عن اللقاء، والتأكيد أن لبنان ما زال ملتزماً بمبادرة السلام العربية الصادرة عن قمة بيروت عام 2002، والتي تربط أي تطبيع شامل بقيام دولة فلسطينية مستقلة. وجرى التشديد على أن الاجتماع يندرج حصراً في إطار إدارة وقف إطلاق النار ومعالجة الخروق الميدانية، وليس مقدّمة لعلاقات سياسية أو اقتصادية مع إسرائيل.

تقرير لـ بي بي سي توقّف عند هوية رئيس الوفد اللبناني، السفير السابق في واشنطن سيمون كرم، الذي كلّفته رئاسة الجمهورية بهذه المهمة. وتُعرَّف اللجنة الخماسية التي شارك فيها كرم بأنها إطار يجمع ممثلين عن: لبنان، إسرائيل، الولايات المتحدة، فرنسا و”اليونيفيل”، كانت صيغتها السابقة قائمة أساساً على الحضور العسكري والأمني.

إشراك كرم – الدبلوماسي المعروف بخبرته في التعاطي مع الدوائر الأميركية – يعطي للقاء بعداً إضافياً يتجاوز التقنيات العسكرية البحتة، ويبعث برسالة إلى العواصم الغربية مفادها أن الدولة اللبنانية لا تزال قادرة على تقديم وجوه مدنية رسمية يمكن التعامل معها مباشرة، بعيداً عن لغة الجبهات. في الوقت نفسه، يضع هذا التكليف الرجل تحت مجهر الداخل اللبناني، الذي يراقب بحساسية أي إشارات إلى إمكان تحوّل هذه الآلية إلى مسار تتسلّل عبره خطوات تطبيعية غير معلنة.

على مدى سنوات، عُرفت اجتماعات الناقورة بأنها لقاءات بين ضباط من الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي تحت رعاية “اليونيفيل”، لبحث الخروق والتوترات على الخط الأزرق. الجديد اليوم هو الانتقال إلى وفود مدنية – رسمية:

عن لبنان: سيمون كرم، السفير السابق في واشنطن.

عن إسرائيل: أوري رِسنيك، مسؤول في مجلس الأمن القومي.

هذا التحوّل يعكس توسيعاً تلقائياً لأفق النقاش، من حصره في “وقف النار” إلى إمكان التطرّق إلى ملفات الحدود وقواعد الاشتباك وربما مشاريع ذات بعد اقتصادي أو لوجستي في مراحل لاحقة، ولو تحت سقف أممي واضح.

بين “لا للتطبيع” وواقع الطاولة المشتركة

في الشكل والمضمون، يرفض لبنان الرسمي اعتبار ما جرى في الناقورة خطوة على طريق التطبيع، ويستند في ذلك إلى تمسّكه العلني بمبادرة السلام العربية وإلى المزاج الشعبي والسياسي الرافض لعلاقات علنية مع إسرائيل في الظروف الراهنة.

في المقابل، لا يمكن تجاهل أن

وجود مفاوضين مدنيين رسميين لبنانيين وإسرائيليين في قاعة واحدة، تحت رعاية دولية، يشكّل سابقة تُسجَّل في الذاكرة السياسية. كما ان

تكرار هذه اللقاءات وتوسيع أجندتها يمكن أن يوفّر لاحقاً “قاعدة جاهزة” لأي مسار سياسي أو اقتصادي أوسع، إذا تغيّرت المعطيات الإقليمية أو الداخلية.

قد لا يكون ما يجري اليوم “تطبيعاً” بالمعنى المتعارف عليه، لكنه بالتأكيد يدخل لبنان وإسرائيل في نمط جديد من إدارة الاشتباك، يختلط فيه الأمني بالسياسي والاقتصادي، تحت عين واشنطن والعواصم الأوروبية.

و بين قراءة إسرائيلية تقدّم اللقاء كنافذة تعاون اقتصادي محتمل، ورواية لبنانية تصرّ على أنه مجرّد آلية تقنية لوقف النار، يتكرّس واقع جديد في الناقورة عنوانه الأبرز:

عودة الدولة اللبنانية المدنية إلى الواجهة عبر شخصية مثل سيمون كرم،

واعتراف دولي بأن ملف الحدود الجنوبية لم يعد ملفاً عسكرياً صرفاً، بل جزءاً من لوحة اعادة ترتيب التوازنات في المشرق.

alhadath.ca

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني