لبنان اساسٌ في ذاكرة الإبادات : الجمع بين أنقرة وبيروت لمنع تكرار المجازر التاريخية

رؤوف نجم
تُعتَبَر تركيا اليوم، بجيشها الضخم وعضويتها السابقة في حلف شمال الأطلسي وشبكة تحالفاتها الإقليمية، أقوى دولة ذات غالبية مسلمة من حيث التسلّح وقدرتها على التأثير في محيطها المباشر في الشرق الأوسط. وفي المقابل، يقف لبنان كأصغر دول المنطقة مساحة، لكنّه يحتفظ بفرادة دستورية تكاد تكون وحيدة في الشرق الأوسط: رئاسة الجمهورية فيه تُسند تقليديًا إلى مسيحي ماروني، ما يجعل منه البلد الوحيد في الإقليم الذي يَجمع بين أكثرية مسلمة ورئيس مسيحي منتخب وفق عقد وطني تاريخي.
هذا التباين بين «القوّة التركية» و«الهشاشة اللبنانية» لا يمكن فصله عن الذاكرة التاريخية الثقيلة للمسيحيين في المشرق. فالماضي العسكري للدولة العثمانية، ثم للجمهورية التركية الناشئة من بعدها، أغرق مسيحيّي الأناضول وبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام في بحار من الدم والتهجير: من الإبادة الأرمنية الكبرى سنة 1915، إلى ما لحق بالسريان والكلدان والآشوريين، مرورًا بالمجاعة في جبل لبنان والحملات التي استهدفت نخبًا مسيحية في ولايات عدة.
في هذا السياق يبرز وجه المطران الأرمني الكاثوليكي إغناطيوس مالويان، شهيد ماردين الذي قُتل رافضًا إنكار إيمانه، والذي طوّبه يوحنا بولس الثاني عام 2001 وأُعلن قديسًا سنة 2025 على يد البابا ليو، كأحد أبرز رموز هذه الذاكرة المصلوبة على يد السلطات العثمانية آنذاك.
من هنا تكتسب زيارة البابا ليو إلى تركيا ولبنان عام 2025 بُعدًا يتجاوز الطابع الروحي والطقسي إلى قراءة سياسية وتاريخية دقيقة. ففي تركيا، شارك البابا في الاحتفال بمرور 1700 عام على انعقاد مجمع نيقية الأول في إزنيق (نيقية القديمة)، ذلك المجمع الذي رسم ملامح العقيدة المسيحية الجامعة وأقرّ قانون الإيمان النيقاوي الذي لا تزال الكنائس تتلوه حتى اليوم.
اختيار تركيا، وريثة الجغرافيا البيزنطية والعثمانية معًا، لمناسبة بهذا الثقل اللاهوتي، لم يكن مجرد التزام ببرنامج ليتورجي، بل تذكير بأن أرض الأناضول التي شهدت أعنف موجات التصفية بحق الجماعات المسيحية هي نفسها التي صدح منها في القرن الرابع صوت الكنيسة الأولى «نؤمن بإلهٍ واحد».
في محطات أنقرة وإسطنبول وإزنيق، وضع البابا ليو الحوار في قلب خطابه: لقاءات مع السلطات السياسية، وزيارات رمزية إلى معالم وطنية ودينية، واجتماع بالصليبويط المسكوني برثلماوس، كلّها رُسمت حول فكرة واحدة: لا مستقبل للمنطقة من دون حوار صريح بين المسيحية والإسلام، ومن دون رفض قاطع للعنف الملبّس لبوس الدين.
لقد تعمّد البابا أن يتحرّك في الفضاء نفسه الذي تحرّكت فيه قبل قرن الجيوش والقطارات التي حملت قوافل المهجّرين والمقتولين، لكن هذه المرّة حاملاً لغة المصالحة والاعتراف المتبادل بدل لغة الإنكار والكراهية.
وفي لبنان، المرحلة الثانية من الرحلة نفسها، تحوّل المشهد الرمزي إلى رسالة سياسية واضحة: بلد صغير مثقل بالحرب الأخيرة مع إسرائيل، وبالسلاح غير الشرعي، وبالانهيار الاقتصادي، لكنه يضمّ أعلى نسبة من المسيحيين في الشرق الأوسط ونموذجًا فريدًا للعيش المشترك بين الموارنة والأرثوذكس والسنة والشيعة والدروز.
من على واجهة بيروت البحرية، في قداس جمع أكثر من مئة ألف مؤمن، دعا البابا ليو لبنان إلى أن ينهض من تحت الركام وأن يبقى «بيت عدالة وأخوّة»، لا ملجأً موقتًا لمكوّنات مهدَّدة بالزوال.
وفي وقوفه الصامت عند موقع انفجار مرفأ بيروت، كان يستحضر لا مأساة 4 آب فقط، بل سلسلة الانفجارات التاريخية التي أصابت الجسد المسيحي واللبناني برمّته في المنطقة.
بهذا المعنى، يمكن القول إن البابا أراد من جمع «نيقية» في تركيا و«العيش المشترك» في لبنان في رحلة واحدة أن يذكّر بدوره المزدوج: فهو من جهة «خادم الوحدة» داخل العالم المسيحي، يعود إلى منبع العقيدة الجامعة ليشدّد على أن المسيحية نفسها لا تَقبل انقسامًا وحروبًا أهلية بين كنائسها؛ وهو من جهة أخرى «حارس الذاكرة» في وجه عودة الإبادات المسيحية في الشرق، يضع ضمير الكنيسة والعالم أمام مسؤولية ألا يتكرّر ما جرى للأرمن والسريان والكلدان وسواهم، لا في تركيا ولا في العراق ولا في سوريا ولا في لبنان.
لذلك جاء خطاب الحوار عنده مشدَّدًا مرتين: حوار مع المسلمين ومع العالم السنّي تحديدًا في تركيا، حيث الدولة الأقوى والأكثر تأثيرًا في محيطها؛ وحوار داخل المنظومة اللبنانية المعقّدة حيث المسيحيون ليسوا أقلية عددية فقط، بل شريكًا مؤسِّسًا في الدولة ورمزًا لحضور تاريخي مهدَّد بالنزيف والهجرة. ففي كلتا الحالتين، كان البابا يرسل الرسالة نفسها بطرق مختلفة: لا يكفي الاعتذار عن الماضي أو الإقرار بالمجازر في البيانات الدبلوماسية، بل يجب بناء منظومة سياسية وقانونية وثقافية تجعل من تكرار الإبادة أمرًا مستحيلًا، عبر ضمان المواطنة الكاملة، وحماية التعددية الدينية، وتجريم خطاب الكراهية والتحريض الطائفي.
انطلاقا من ذلك تكون قراءة زيارة البابا ليو إلى تركيا ولبنان جزءً من إستراتيجية فاتيكانية أوسع من اجل تثبيت حضور الكنيسة كأساس في هندسة «سلامٍ جديد» في الشرق الأوسط، سلام لا يقوم على تناسي الإبادات المسيحية بل على تذكّرها جيدًا لكي لا تعود، ولا يقوم على صراع الحضارات بل على حوارها، حيث لا يُنظر إلى المسيحيين في الشرق بوصفهم «بقايا» مرحلة تاريخية منتهية، بل شركاء كاملي الحقوق في رسم مستقبل المنطقة.
alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

