سامي الجميّل من أبرشية مار مارون في كندا: خطابٌ سيادي جمع كل الأحزاب

الحدث كندا – مونتريال / خاص

رؤوف نجم

تحوّل اللقاء الذي استضافته أبرشية الموارنة في كندا إلى ما يشبه “مؤتمرًا سياديًا مسيحيًا مصغّرًا”، بعدما جمعت قاعة المطران بول–مروان تابت تحت سقفها ممثّلين عن مختلف الأحزاب اللبنانية المسيحية، إلى جانب حشد من أبناء الجالية اللبنانية في مونتريال وضيوف من الأوساط الإعلامية والفكرية.

اللقاء، الذي خُصِّص لاستقبال رئيس حزب الكتائب اللبنانية النائب سامي الجميّل خلال زيارته إلى كندا، اكتسب بُعدًا سياسيًا لافتًا، ليس فقط بسبب مضمون كلمة الجميّل، بل أيضًا بسبب تركيبة الحضور التي عكست التقاء القوى السيادية المسيحية حول ثوابت مشتركة، ولو من مواقع حزبية مختلفة.

أبرشية تابت… مظلّة روحية وسياسية للسياديين

فإلى جانب المطران بول–مروان تابت الذي استقبل الجميّل وقرينته السيدة كارين تدمري وأحاطهما بعنايةٍ أبوية، حضر ممثّلون عن أبرز الأحزاب المسيحية:

  • عن حزب القوات اللبنانية: رشدي رعد،

  • عن حزب الكتائب اللبنانية: جاكلين طنوس،

  • عن التيار الوطني الحر: طوني مناسا،

  • عن حزب الوطنيين الاحرار: جوزيف خيرالله

  • عن تيار المردة: سهيل الأهل.

    كما سجّل اللقاء حضور قنصل لبنان العام في مونتريال الأستاذ أنطوان عيد، وعضو البرلمان الكيبيكي أليس أبو خليل، في دلالة إضافية على التقاطع بين البعد السياسي الاغترابي والبعد الرسمي الكندي–اللبناني.

بهذه التشكيلة، بدت الأبرشية كأنها مساحة مشتركة جمعت “كل الأحزاب اللبنانية السيادية المسيحية تحت سقفها”، في مشهد نادر في الزمن اللبناني الحالي، حيث الانقسامات السياسية الحادة كثيرًا ما تطغى على أي محاولة لتوحيد الصف.

كما شارك في اللقاء عدد من أهل الإعلام منهم:

الدكتور إبراهيم الغريّب، أندريه قصّاص، حليم كرم، ورؤوف نجم، إلى جانب شخصيات اقتصادية واجتماعية وثقافية من الجالية. حضور الصحافيين أضفى بعدًا توثيقيًا وإعلاميًا على الأمسية، وسجّلها كواحدة من المحطات البارزة في روزنامة النشاطات اللبنانية–المسيحية في كندا.

تحيّة للمطران تابت ورسالة تقدير للاغتراب

في كلمته الافتتاحية، توجّه سامي الجميّل إلى المطران تابت بكلمات تقدير لافتة، مؤكدًا أنّ “المحبّة والمعزّة لسيدنا ما إلها حدود”، ومتمنّيًا له التوفيق في مهمته “جامعًا للكل” داخل الأبرشية، ومشيرًا إلى أنّ الكتائب ستبقى إلى جانب الكنيسة وكل القوى الحيّة في الاغتراب “في كل المناسبات وبكل الظروف”.

وشكر الجميّل المطران تابت وفريق الأبرشية على حفاوة الاستقبال و”هالجلسة الحلوة واللقاء الحلو”، وعلى التنظيم الدقيق والضيافة، معتبرًا أنّ هذا المناخ العائلي–الكنسي يشكّل جزءًا من قوّة الحضور اللبناني في كندا.

وتوقّف الجميّل عند لقائه برجال أعمال ومفكّرين وفاعليات من الجالية، قال إنهم “بيحبّوا بلدهم، وقلوبهم على لبنان والناس”، مؤكّدًا أنّ هذا المشهد يمنحه “أملًا حقيقيًا” بأنّ العمل السياسي الذي يخوضه في الداخل “هو قبل كل شيء من أجل هؤلاء الناس، كي يحصلوا على حقّهم في دولة طبيعية”.

“كلّنا على الموجة نفسها”… ولكن الطموحات الشخصية تفرّقنا

الجميّل شدّد على أنّ اللبنانيين في الداخل والخارج يتشاركون الرؤية نفسها للبنان: دولة سيّدة مستقلّة، يحكمها القانون، تقوم على المساواة بين المواطنين، منفتحة على العالم، واقتصادها قادر على جذب الاستثمارات وخلق فرص العمل.

غير أنّه لفت إلى أنّ “ما يفرّق القوى السياسية في كثير من الأحيان ليس الأهداف ولا المبادئ، بل الطموحات الشخصية والمزايدات والأخطاء الناتجة عن الحسابات الحزبية”، داعيًا إلى أن تكون التضحية بالذات من أجل الوطن قاعدة لأي مشروع سياسي جدّي.

اشتباك سياسي مع حزب الله… وحلّ معروض على الطاولة

في القسم السياسي من كلمته، قدّم الجميّل تشخيصًا واضحًا لواقع المواجهة مع حزب الله، فقال إنّ هناك “اشتباكًا سياسيًا مستمرًا” بين الكتائب والحزب، لأنّ حزب الله “يرفض حتى اللحظة مبادئ قيام الدولة، حصرية السلاح، المساواة بين اللبنانيين، والوجود تحت سقف الدولة ولبنان أولًا”، ويصرّ على ربط البلد بإيران وأيديولوجيات لا علاقة لها بلبنان.

لكن رئيس الكتائب شدّد في المقابل على أنّ واجبه لا يقتصر على الاعتراض، بل يشمل تقديم بديل واضح للطائفة الشيعية ولجمهور المقاومة عمومًا، “حتى إذا قرّر يومًا ما أن يتخلص من هذا الاشتباك، يكون أمامه مشروع واضح”.

وقدّم الجميّل هذا البديل على شكل سلّة متكاملة:

  • مصارحة ومصالحة بين اللبنانيين،

  • حصرية السلاح بيد الدولة والجيش،

  • اعتماد الحياد عن صراعات المحاور،

  • اللامركزية وتطوير النظام السياسي.

وأوضح أنّ الخيارات في لبنان محصورة بين ثلاثة مسارات:
إمّا أن تنتصر رؤية الدولة السيّدة عبر الآليات الديمقراطية؛ أو تنتصر رؤية السلاح خارج الدولة؛ أو يُصار إلى حلّ توافقي يضمن المساواة بين اللبنانيين وعدم كسر أي مكوّن.

وفي هذا الإطار، ميّز الجميّل بوضوح بين حزب الله كتنظيم، والطائفة الشيعية كجزء أساسي من النسيج الوطني، فقال إنّ “مدّ اليد ليس للحزب كتنظيم، بل للطائفة الشيعية ككل، تحت سقف القانون ودون سلاح فوق الدولة ولا مواطن درجة أولى وآخر درجة ثانية”.

نهاية سلاح حزب الله… وحديث عن ما بعد إيران

وفي مقاربة إقليمية، رأى الجميّل أنّ حزب الله ليس تعبيرًا عن خيار شيعي لبناني حرّ بقدر ما هو “فصيل إيراني ينفّذ أوامر خارجية”، معتبرًا أنّ المشكلة الأساس تكمن في عجز الطائفة عن التحرّر من الوصاية الإيرانية.

وذهب أبعد في قراءته، معتبرًا أنّ سقوط النظام في إيران سيؤدي إلى انهيار البناء الأيديولوجي الذي يقوم عليه الحزب “في 24 ساعة”، على حدّ تعبيره، مستشهدًا بتجربة النازية في ألمانيا وكيف تلاشت الأيديولوجيا بسقوط رأس النظام.

أما على الصعيد الزمني، فكان لافتًا إصراره على أفق محدّد، إذ قال إنّه يعتقد أنّه “من الآن حتى نهاية 2026 لن يبقى شيء اسمه سلاح حزب الله في لبنان”، مع تأكيده أنّ ما تبقّى من القوة العسكرية للحزب يجب أن تتعامل معه الدولة وأجهزتها الشرعية حفاظًا على السيادة والاستقرار وصورة الجيش والدولة.

دعم رئاسة الجمهورية والجيش… لا جلد للذات

داخليًا، دعا الجميّل إلى وقف منطق “جلد الذات” وإضعاف المؤسسات الشرعية تحت عنوان الإحباط أو المزايدات، معتبرًا أنّ لرئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة والحكومة دورًا أساسيًا في هذه المرحلة، وأنّ المصلحة الوطنية تقتضي حماية هذه المواقع طالما أنّها تتحرّك في الإطار السيادي نفسه الذي تنادي به القوى الاستقلالية.

وعن الجيش اللبناني، كشف عن حصوله أخيرًا على دعم مالي كبير للتجهيز من الولايات المتحدة، مع تحضيرات لمؤتمر جديد لدعمه، معتبرًا أنّ المؤسسة العسكرية “على السكّة الصحيحة باتجاه مزيد من التقوية والتجهيز، لتكون الحامي الفعلي للحدود والسيادة”، ومشدّدًا على أنّ الجيش هو “الرمز وأهم مؤسسة في لبنان اليوم، ويجب الالتفاف حوله ودعمه”.

فرصة تاريخية لوحدة الصف المسيحي

سياسيًا، اعتبر الجميّل أنّ اللحظة الراهنة تحمل “فرصة تاريخية” لإعادة جمع الصف المسيحي على قاعدة واضحة: السيادة، حصرية السلاح، ورفض توريط لبنان في صراعات المحاور، مشيرًا إلى أنّ مواقف بعض القوى التي كانت سابقًا أقرب إلى خيار “سلاح المقاومة” شهدت تحوّلًا ملحوظًا يفتح الباب أمام إعادة صياغة تحالفات جديدة.

كلمة قنصل لبنان العام أنطوان عيد: قيم الكتائب في قلب الاغتراب ودعوة إلى التسجيل للانتخابات

وفي مداخلة لافتة، توجّه قنصل لبنان العام في مونتريال الأستاذ أنطوان عيد بالتحية إلى المطران بول–مروان تابت والشيخ سامي الجميّل والحضور، مشيرًا إلى أنّ وجوده في كندا منذ نحو ثماني سنوات أتاح له التعرّف إلى “كل لبنان من أقصى الشمال إلى الجبل، بمختلف الطوائف والمناطق”.

وقال عيد إنّه لمس خلال عمله في كندا أنّ “كل واحد من أبناء الجالية يحمل في داخله جزءًا من قيم حزب الكتائب من حيث الإيمان بالله، والتمسّك بالعائلة، والرغبة الصادقة في حماية الوطن”، معتبرًا أنّ هذه القيم لا تنتمي إلى حزب واحد بقدر ما تعكس جوهر الالتزام الوطني لدى اللبنانيين المنتشرين.

وأشاد القنصل العام بالأمل الذي يزرعه خطاب الجميّل لدى أبناء الاغتراب، قائلًا إنّ الجالية “تفتخر بهذا الأمل” الذي يدفعها إلى التمسّك أكثر بلبنان وقضيته، قبل أن يتوجّه بنداء مباشر إلى اللبنانيين في كندا يدعوهم فيه إلى التسجيل للمشاركة في الانتخابات النيابية المقبلة، كحقّ وواجب وطني.

وكشف عيد أنّ “عدد المسجّلين حتى ساعة اللقاء لم يتجاوز 4400 ناخب”، معتبرًا أنّ هذا الرقم لا يعبّر عن الحجم الفعلي للجالية اللبنانية في كندا، داعيًا الجميع إلى التحرك سريعًا لرفع عدد المسجلين، لأنّ صوت الاغتراب “جزء أساسي من معركة استعادة الدولة والقرار الوطني”.

وفي ختام اللقاء، بدا المشهد داخل أبرشية تابت في مونتريال جامعًا بين الكنيسة والأحزاب المسيحية السيادية والصحافة والاغتراب، في صورة تختلف عن صور الانقسام والتناحر التي اعتادها اللبنانيون. صورةٌ قد لا تغيّر المعادلات وحدها، لكنها تعكس مزاجًا جديدًا لدى جزء واسع من الجالية: مزاجًا يطالب بالدولة، وبوحدة الصف، وبـ“لبنان جديد يشبههم”… من قلب كندا إلى قلب الوطن.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني