الحدث كندا
يُعدّ المصرفي اللبناني موريس الصحناوي حالة شبه وحيدة في مشهد الانهيار المالي والمصرفي اللبناني؛ إذ تمكّن بين عامي 2017 و2025 من تحويل رهانه القبرصي إلى أرباح تتجاوز 125 مليون يورو، في وقت غرقت فيه معظم المصارف اللبنانية في الخسائر والتعثر.
في شباط 2025، استحوذ «ألفا بنك» اليوناني على «أسترو بنك» القبرصي مقابل 205 ملايين يورو، ما جعل المصرف المندمج ثالث أكبر مصرف في قبرص. ووفق الاتفاق، يُنتظر أن تؤول الأرباح المتوقّع تحقيقها خلال الأشهر الستة الفاصلة عن التسليم النهائي – والمقدّرة بنحو 30 مليون يورو – إلى المالك السابق، أي مجموعة موريس الصحناوي. بذلك يكون الصحناوي قد استثمر نحو 100 مليون دولار في السوق القبرصية واستعادها 205 ملايين يورو، مع هامش إضافي شبه مضمون، يرفع حصيلة رؤيته إلى ما يفوق 125 مليون يورو.
هذه النتيجة ليست ضربة حظّ فقط، بل ثمرة مسار بدأ مع خروج الصحناوي من النظام المصرفي اللبناني. فبعد طيّ صفحة شراكته في «سوسيتيه جنرال بنك» عام 2007 بسبب خلافات في الرؤية على دور المصارف والنزاعات على التركة المالية، انتقل سريعاً إلى «البنك اللبناني للتجارة» الذي كان مملوكاً من مجموعة مستثمرين عرب تتقدمهم هيئة الاستثمار القطرية، قبل أن تستحوذ «مجموعة فرنسبنك» على أكثريته.
لاحقاً، جرى تعيينه رئيساً لمجلس إدارة «البنك اللبناني للتجارة» مع تملّكه بدايةً نحو 22% من أسهمه قبل أن يرفع حصته إلى حوالى الثلث. وحقّق المصرف في عهده أرباحاً متزايدة؛ فبنهاية 2007 بلغت 17.2 مليون دولار، وارتفعت في الأشهر التسعة الأولى من 2009 إلى 28.7 مليون دولار، ما ثبّت موقعه ضمن فئة مصارف «ألفا» التي تفوق ودائعها 2 مليار دولار.
في عام 2010، طرح الصحناوي على شركائه التوسّع خارج لبنان عبر شراء «يو أس بي بنك» في قبرص باسم «البنك اللبناني للتجارة»، فتمت الصفقة وارتفعت معها محفظة قروض المصرف بنحو 89.4% لتلامس 1.2 مليار دولار. لكن الخلافات سرعان ما انفجرت حول إدارة «البنك اللبناني للتجارة» وكلفة تمويل خسائر الذراع القبرصية، فتمّ الاتفاق على صيغة «الطلاق الهادئ»: يتولى الصحناوي إدارة النشاط القبرصي، فيما تبقى إدارة المصرف في لبنان بيد عائلة القصار، على أن يُصار لاحقاً إلى تسوية الملكيات، وهو ما حصل فعلاً بعد أخذ وردّ طويل، تبادل فيه الطرفان حصصهما بقيم متقاربة.
من جهته، كان الصحناوي يقرأ مساراً مختلفاً. يقول إنه كان مقتنعاً بأن القطاع المصرفي في قبرص سيتمكّن من التعافي، في مقابل انسداد أفق النمو في لبنان. ويكشف أنه حذّر حاكم مصرف لبنان السابق رياض سلامة من الاستمرار في تمويل الدولة عبر المصارف بعد أن تخطّت نسبة الدين إلى الناتج 150%، مؤكداً أنه لم يكن يرى مستقبلاً للنمو في نموذج كهذا «ولو من دون أن يتخيّل حجم الانهيار الذي وقع لاحقاً».
في قبرص، احتاجت الأمور إلى وقت طويل. فقد تسبّبت الأزمة القبرصية بخسائر متتالية لـ«يو أس بي بنك»، قبل أن يقود الصحناوي عملية اندماجه مع «أسترو بنك» عام 2019 بمشاركة مجموعة من المستثمرين. ثم جاءت جائحة «كوفيد» والأزمات الأوروبية لتعيد المصرف ثلاث سنوات إلى خانة «بلا أرباح»، قبل أن يعود تدريجاً إلى تحقيق نتائج إيجابية: 5 ملايين يورو، ثم 10 ملايين، ثم 20 مليوناً، وصولاً إلى 30 مليون يورو سنوياً وفق أرقام يوردها الصحناوي.
في هذه البيئة، كان تركّز السوق القبرصية يمنح مصرفين كبيرين الحصة الأكبر ويترك الباقي تحت تهديد «المحو» من المنافسة. عندها طرح الصحناوي على «ألفا بنك» معادلته الشهيرة: إمّا أن نخسر جميعاً، أو نندمج. لم يكن أمام «ألفا» سوى خيارين: الخروج من قبرص عبر بيع فروعه، أو التوسّع بشراء المصرف المصنَّف رابعاً في السوق، أي «أسترو بنك». فاختار التوسّع، وكانت النتيجة صفقة كرّست رؤية موريس الصحناوي، ووضعت تحت اسمه أرباحاً تفوق 125 مليون يورو، بين لبنان المنهار وقبرص التي أعادت رسم خريطتها المصرفية.
alhadath.ca