بين «ولاية الفقيه» و«دولة الخلافة» جوزاف عون يختار دولة الرسالة

رؤوف نجم
في ظلّ تزايد الكلام عن المشاريع الإقليمية التي تُحَضَّر للبنان الدولة الصغرى في محيطه داخل مطابخ ومختبرات بعض الدول القريبة، وفي ظلّ تصاعد الهتاف الإسلاموي بين «ولاية الفقيه» و«دولة الخلافة» الجديدة، تتقدم لحظة لبنانية شديدة الحساسية، تختلط فيها القلق و الهواجس الوجودية الملأى بالسيناريوهات المفتوحة على كل الاحتمالات. فالبلد الذي وُلد كفكرة ورسالة قبل أن يكون مجرّد حدود وإدارة، يجد نفسه اليوم محشوراً بين قوسين متقابلين: قوس يُعيد تعريف المنطقة على أساس الغلبة والأحجام الديموغرافية، وقوس يُحاول تحويل لبنان إلى تفصيل قابل للطيّ في أي صفقة إقليمية مقبلة.
في هذا المشهد، يظهر جلياً أن رئيس الجمهورية جوزاف عون، وباتفاق تام مع الفاتيكان والبابا ليو الرابع عشر مباشرة، قرر أن يكون حامي دولة الرسالة والسلام، ليس كمجرد عبارة للاستهلاك المحلى، بل كعنوان سياسيّ وأخلاقيّ لإنقاذ ما تبقّى من المسيحيين في الداخل، ومحاولة انتزاع فرصة واقعية لاستعادة الممكن من مسيحيي الخارج. ومن هنا، تصبح الرئاسة في هذا التصوّر أقلّ ميلاً إلى المغامرة الصدامية المباشرة، وأكثر انجذاباً إلى هندسة توازنٍ بطيء وحذر، يحفظ فكرة لبنان قبل أن يحفظ السلطة فيه.
وقد يكون التباطؤ في «ضرب» حزب الله كما يحب البعض أن يسميه، جزءاً من حسابات تتجاوز الإرضاء اللحظي للشارع أو الخطاب السيادي العالي النبرة. فالمعادلة التي تُقلق الرئاسة -وفق هذا المنطق- ليست فقط كيفية تفكيك القوة المسلحة، بل كيفية إدارة ما سينتج عن تفكيكها. إذ إن سرعة ملء الفراغ الشيعي المتوقّع قد لا تأتي تلقائياً باسم الدولة الوطنية، بل قد تفتح الباب أمام «مشروع سنّي» أشد شراسة وإسلاموية من قبل جهات أخرى عُرفت بصولاتها وجولاتها في عمليات تهجير وإبادة وتعذيب وقتل، وليس آخرها المطران اغناطيوس مالويان. هنا يصبح الخوف مزدوجاً: خوف من السلاح غير الشرعي، وخوف من البديل الذي قد يُنتج سلاحاً أشدّ تطرّفاً تحت عنوان مختلف.
ولهذا، تبدو خطوات الرئيس عون -في هذا الإطار- كمن يسير على حافة زجاجية: أي خطأ في التوقيت، أو أي اندفاع غير محسوب في إدارة الصراع مع حزب الله، قد لا يطيح خصماً فقط، بل قد يطيح معه صورة لبنان المتبقية كدولة قابلة للحياة. السقوط هنا ليس سقوط حكومة أو عهد، بل سقوط فكرة بلد يمكن أن يُستعاد كملاذ للتعددية في شرق يزداد عطشاً للأحادية، وكشجرة زيتون تُحاول البقاء واقفة في ريح الحروب العقائدية.
وباعتقادي أن الرئيس يقرأ المشهد من زاوية أعلى من المعارك اليومية. فهو يدرك أن هناك لحظة إقليمية تُصاغ في الكواليس، وأن لبنان قد يُعامل فيها كمساحة اختبار: مرة لتوازنات النفوذ، ومرة لتسويات الحدود، ومرة لإعادة توزيع الأدوار بين «الفقيه» و«الخليفة» ومن يدور في فلكهما. لذلك تبدو بطء الحركة أحياناً ليس ضعفاً، بل محاولة لتثبيت أرض صلبة تحت الأقدام قبل أن يبدأ الزلزال الكبير.
على هذا الأساس، لا يعود السؤال: لماذا لا تُحسم المعركة سريعاً؟ بل يصبح السؤال الأخطر: كيف نمنع أن يتحوّل الحسم إلى بوابةٍ لحسمٍ آخر ضد لبنان نفسه؟ كيف نُقارب تفكيك الأزمات دون أن نسمح للأزمات أن تُفكّك البلد؟ وكيف نحفظ “دولة الرسالة” كواقع سياسيّ لا كحنينٍ ثقافيّ، في زمن تُدار فيه الدول بموازين اللحظة لا بقداسة الذاكرة؟
إنها مقاربة تُراهن على الوقت كأداة إنقاذ، وعلى التدرّج كخيار دفاعي، وعلى الحد الأدنى من الاستقرار بوصفه شرطاً لإعادة بناء أي معنى وطني جامع. وقد تكون هذه الرهانات شديدة الكلفة، وربما تُغضب كثيرين ممن يريدون جواباً سريعاً وحاسماً، لكنها -في لحظات الانهيار الكبير- قد تكون آخر ما يملكه لبنان كي لا يُسلَّم دفعة واحدة إلى أصحاب المشاريع الإسلاموية لدى «الفقيه» و«الخليفة»، وحتى لا تُقتلع شجرة الزيتون التي زرعها البابا من أرضٍ تتآكل تحتها التربة السياسية يوماً بعد يوم.
alhadath.ca
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

