المسيحيون ضائعون بين تفاؤل الجميّل وتشاؤم جعجع

Last Updated: نوفمبر 14, 2025Categories: أخبار لبنان, كتاب الموقع

رؤوف نجم

الحدث كندا – خاص

تبدو الساحة المسيحية في لبنان وكأنها موزّعة بين خطابين متناقضين: الأوّل متفائل يقوده رئيس حزب الكتائب النائب سامي الجميّل، والثاني شديد القتامة يتبنّاه رئيس حزب القوات اللبنانية الدكتور سمير جعجع. وبين التفاؤل الذي يقول إنّ «طائرة التغيير أقلعت»، والتشاؤم الذي يحذّر من أنّ لبنان «قد يغرق» إذا لم يُنزَع سلاح حزب الله، يجد كثير من المسيحيين أنفسهم تائهين بين خيارَي المواجهة الديموقراطية والهاجس الوجودي.

في زيارته إلى كندا ولقائه الجالية اللبنانية في مونتريال، ركّز الجميّل على البُعد الإيجابي للمواجهة السياسية، ودعا أبناء الانتشار إلى تكثيف التسجيل للاقتراع في انتخابات 2026، معتبراً أنّ التغيير صار مساراً لا عودة عنه، وأنّ المغتربين يملكون مفتاح قلب الموازين عبر التصويت للـ128 نائباً لا لستّة مقاعد فقط. وفي كلماته التي نقلتها وسائل إعلام وواكبتها «الحدث كندا»، أطلق عبارته اللافتة: «طائرة التغيير أقلعت»، في إشارة إلى أنّ معركة استعادة الدولة من قبضة السلاح غير الشرعي بدأت فعلاً، وأنّ المطلوب اليوم هو تنظيم القوى الاعتراضية لا الاستسلام لليأس.

على الضفة المقابلة، يرفع جعجع منسوب التحذير إلى الحدّ الأقصى. ففي أحدث مقابلاته، أكد أنّ الحكومة اللبنانية «لم تُظهر أي مثابرة ولا أي تصميم على نزع سلاح حزب الله»، وذهب أبعد حين قال إنّ معظم أعضائها «غير جديّين» ويفتقرون إلى الإرادة السياسية لاتخاذ القرار الكبير المطلوب. وبالنسبة إليه، لا مخرج حقيقياً من الأزمة سوى بتسليم حزب الله سلاحه للدولة اللبنانية، مستشهداً بتجربة حماس في غزة ليحذّر من كلفة الإبقاء على سلاح فصيل واحد يمسك بقرار الحرب والسلم.

جعجع، الذي يحاول في الوقت نفسه أن ينفي حتميّة الانزلاق نحو حرب أهلية أو مواجهة جديدة مع إسرائيل، يرسم أمام جمهوره لوحة قاتمة: دولة عاجزة، حكومة مشلولة، وميزان قوى يميل لمصلحة محور السلاح. في المقابل، يصرّ الجميّل على تحويل المعركة إلى فرصة، فيطرح الحياد الدستوري، ويشدد على دور الاغتراب في إعادة تكوين السلطة، ويرى في المزاج الشعبي وبين الشباب خصوصاً رصيداً يمكن البناء عليه لتغيير المعادلة من داخل المؤسسات.

هذا التباين في المقاربة ينعكس مباشرة على المزاج المسيحي. فجزء من الشارع، المتعب من الانهيار ومن تكرار الخيبات، ينجذب إلى خطاب جعجع الذي يحمّل سلاح حزب الله والسلطة الحاكمة مسؤولية الانسداد ويطالب بقرارات حاسمة ولو على حافة المغامرة. وجزء آخر، لا يقلّ غضباً، يفضّل نبرة الجميّل التي تراهن على المسار الطويل: انتخابات، حياد، تنظيم للمعارضة، واستنهاض لدور الانتشار، من دون إغلاق الأبواب أمام أي تسوية تنقذ ما تبقّى من الدولة.

وبين هذين الخطّين، تتشتّت القاعدة المسيحية بين من يفضّل رفع السقف عالياً ولو بثمن القلق على الاستقرار، ومن يختار الاستثمار في دينامية «التغيير الهادئ» التي يتحدث عنها الجميّل. غير أنّ القاسم المشترك بين الخطابين يبقى واحداً: رفض هيمنة السلاح على القرار الوطني، والتمسّك بدور المسيحيين كشركاء كاملين في صياغة مستقبل لبنان، لا كشهود على انهياره.

في المحصّلة، قد يكون توصيف حال المسيحيين اليوم أنّهم «ضائعون» بين تفاؤل وآخر متشائم، لكنّهم في الواقع عالقون بين قراءتين للمأزق نفسه. وإذا كان خطاب جعجع يذكّرهم يومياً بحجم الكارثة، فإنّ خطاب الجميّل يحاول إقناعهم بأنّ باب الخلاص ما زال مفتوحاً، وأنّ «طائرة التغيير» لن تهبط قبل أن يتقرّر فعلاً إلى أي لبنان يريدون الوصول.

الأخبار عبر البريد الإلكتروني

اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني