الصحوة الرقمية: 29% من الاميركيين بلا انتماء: هل تنجح الكنيسة باستعادتهم عبر الهاتف؟
الحدث كندا – مونتريال
رؤوف نجم
تتبدّى في الأوساط الكنسية الأميركية، كما رصد موقع «Axios» في تقرير موسّع للصحفيَّين راسل كونتريراس وإسحاق أفيلوسيا، صحوة رقمية من نوع جديد: كنائس، ورعاة، ومبادرات روحية بدأت تعتمد الذكاء الاصطناعي ليس فقط في الإدارة والتواصل، بل في قلب التجربة الدينية نفسها، عبر روبوتات محادثة تتكلّم بلسان يسوع أو بلسان شخصيات كتابية، وتطبيقات تساعد المؤمن على الاعتراف أو التأمل أو طرح الأسئلة الإيمانية. هذه الموجة، التي قد تبدو طريفة للوهلة الأولى، تحمل في خلفيتها أزمة حقيقية تعيشها الكنائس: تراجع الحضور، نقص الكوادر، وارتفاع غير مسبوق لعدد الأميركيين الذين يقولون إنهم غير منتمين لأي دين.
كنائس تحاول البقاء
يقول تقرير «Axios» إن الولايات المتحدة قد تشهد هذا العام إقفال ما يصل إلى 15 ألف كنيسة، وهو رقم صادم بالنسبة إلى مؤسسة اعتادت أن تكون حاضرة في كل حيّ وكل قرية. في المقابل، يكشف التقرير أن 29% من الأميركيين يعرّفون أنفسهم اليوم بأنهم «بلا انتماء ديني». أمام هذا الواقع، تلجأ الكنائس إلى ما هو متاح: التكنولوجيا. فإذا كان الراعي لا يستطيع التفرغ لكل الأسئلة الفردية، يمكن لروبوت محادثة أن يجيب عن الأسئلة المتكررة (أوقات القداديس، الأنشطة، التبرعات، آيات كتابية)، وإذا كان إعداد العظة يستنزف وقتًا كبيرًا من الكاهن، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يقترح هيكلًا أو صياغة أولى وفهرسة للنصوص.
القس الأميركي كريس هوب، مؤسس مجموعة Hope في بوسطن، قال لـ«Axios» جملة لافتة: «كل كنيسة أو دار عبادة هي عمل تجاري». لم يقصد المعنى الربحي بالطبع، بل قصد أن الكنيسة كيان يحتاج إلى إدارة ووقت وتواصل وقنوات مع جمهوره، وأن الذكاء الاصطناعي يفتح هنا «فرصًا» لتصميم روبوتات للتبشير، وإدارة المحتوى، وخدمة المؤمنين، شرط أن يكون ذلك ضمن استخدام «أخلاقي» للتقنية.
“تحدّث إلى يسوع”
أكثر ما لفت في التقرير هو بروز تطبيقات تعطي الانطباع بأن المستخدم يتحدّث إلى يسوع نفسه أو إلى أحد أبطال الكتاب المقدس. تطبيق Text With Jesus مثلًا يَعدُ المستخدم بأن «ينطلق في رحلة روحية وينخرط في محادثات مستنيرة مع يسوع المسيح»، بل يتيح له – كما يذكر التقرير – التحدّث إلى مريم ويوسف ويهوذا الإسخريوطي… وحتى إلى الشيطان. هذه التجربة المباشرة هي التي تجذب المستخدمين، لكنها في الوقت نفسه هي التي تثير أكبر قدر من التساؤلات: من الذي يضع الكلام على لسان يسوع؟ وعلى أي ترجمة أو مرجعية لاهوتية يعتمد النموذج؟
وفي السياق نفسه، ظهرت تطبيقات كاثوليكية مثل One Day Confess وConfesion – Catholic تساعد المؤمن على فحص الضمير والاعتراف والتأمل الروحي، مستندة إلى استجابات مولَّدة بالذكاء الاصطناعي وفق النصوص الكتابية. هنا تصبح التقنية بمثابة «مرافِق روحي» رقمي، جاهز 24/24، ولا يَحرج المؤمن، ويقدّم له لغة قريبة من يومياته.
روبوتات كنسية رسمية
التقرير يشير أيضًا إلى تجربة EpiscoBot الذي طوّره معهد TryTank للأبحاث التابع للكنيسة الأسقفية. هذا الروبوت لا يتكلّم من فراغ، بل يستند إلى موارد الكنيسة نفسها للرد على الاستفسارات الروحية أو العقائدية. أي أن بعض الكنائس يحاول أن يُبقي المرجعية اللاهوتية داخل بيته، وألا يترك المؤمن نهبًا لنماذج لغوية عامة قد تكون دُرّبت على مصادر محافظة جدًّا أو ليبرالية جدًّا من دون تمييز.
وتذهب بعض المبادرات إلى أبعد من ذلك في «شخصنة» الراعي نفسه. فالقسّ رون كاربنتر، الراعي المعروف لكنيسة عملاقة في سان خوسيه – كاليفورنيا، أنشأ تطبيقًا مدفوعًا (49 دولارًا شهريًا) يقدّم «تفاعلات شخصية فردية» مع نسخة روبوتية منه. أي أن المؤمن يستطيع أن يحصل على نصيحة أو توجيه أو تفسير آية كما لو أنه يتحدّث إلى الراعي نفسه، لكن من دون أن يشغله أو يحجز موعدًا معه.
وفي بنسلفانيا، تحدّث القس لويس أتليس إلى «Axios» عن روبوت محادثة سمّاه «الإيمان» يساعده على أبحاث الخطب وإعدادها. لكنه حذّر في الوقت نفسه من أمر جوهري: «لا يمكنك أن تستعين بجهة خارجية لتطبيق أخلاقياتك. فهي لا تستطيع الوفاء بعهدك». أي أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يخدم الراعي، لكنه لا يمكن أن يحلّ محلّ العهد الروحي بينه وبين جماعته.
أسئلة لاهوتية وأخلاقية
التقرير ينقل تساؤلات روبرت ب. جونز، رئيس «معهد أبحاث الدين العام»، الذي سخر قائلًا: «ما الذي يمكن أن يحدث خطأ؟». خلف هذه السخرية قلق واضح:
-
ما الترجمة الكتابية التي تعتمدها هذه التطبيقات؟
-
من يضمن أنها لا تقتبس من آباء الكنيسة الأوائل في جملة، ومن كتابات أيديولوجية معاصرة في جملة أخرى؟
-
من يحمي المستخدم البسيط من أن يظن أنه يسمع «صوت الله» بينما هو يسمع نموذجًا لغويًا دُرّب على بيانات متاحة للعموم؟
مارك غريفز، مدير الأبحاث في منظمة AI and Faith غير الربحية، قال لـ«Axios» إن معظم هذه التطبيقات ما زال في مراحله الأولى، ومن المرجّح أنها تستخدم مواد متاحة للجمهور لتكوين مجموعات بياناتها، أي أن الدقّة اللاهوتية ليست ثابتة بعد، وأن «الحوافز الآن في السرعة: أطلق التطبيق ثم انظر ماذا سيحدث، مع أن المخاطر عالية».
بين الكنيسة الكلاسيكية والجيل الرقمي
إذا جمعنا خيوط التقرير، نخرج بصورة واضحة: الكنائس، ولا سيما في أميركا الشمالية، تتحرّك على خطّين متوازيين:
-
خطّ «البقاء» أمام تراجع الأعداد وإقفال الكنائس؛
-
وخطّ «مجاراة» جيل يعيش على الهاتف، يريد خدمة فورية، يحبّ أن يكتب أكثر مما يحب أن يسمع عظة طويلة.
الذكاء الاصطناعي يمنحها ذلك: روبوت يجيب فورًا، تطبيق يكتب صلاة مخصّصة، نموذج لغوي يضع العظة في دقائق بدل ساعات. لكن الثمن هو أنّ «صوت الكنيسة» قد يختلط بـ«صوت الخوارزمية»، وأنّ المؤمن قد يجد نفسه أمام يسوع افتراضي لا يشبه يسوع الأناجيل إلا في الاسم.
ما يهمّنا في كندا
ما ترصده «Axios» يحدث اليوم في الولايات المتحدة، لكنه يعني الكنائس والجاليات في كندا أيضًا، وخصوصًا الكنائس الشرقية والشرقية الكاثوليكية التي تواجه التحدّي نفسه: جيل ثالث ورابع من أبناء الجالية، لغة متعدّدة، كهنة قليلون، وانتشار واسع على الجغرافيا الكندية. هنا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون أداة مساعدة ممتازة (ترجمة، تلخيص، متابعة، ردود فورية، نشرات رعيّة)، شرط أن تبقى المرجعية العقائدية في يد الكنيسة لا في يد نموذج مجهول.
بهذا المعنى، يكشف تقرير «Axios» عن بداية فصل جديد في علاقة الدين بالتقنية: لم نعد أمام «بثّ قداس على فيسبوك» أو «صلاة عبر زوم»، بل أمام مرحلة يُعاد فيها تشكيل الخطاب الروحي نفسه داخل ماكينة ذكاء اصطناعي. والسؤال الذي سيبقى مطروحًا – وتتركه «الحدث كندا» مفتوحًا أمام القرّاء ورجال الدين – هو: من يكتب الإيمان غدًا… الراعي أم الخوارزمية؟
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

