الانتخابات النيابية اللبنانية 2026: المغتربون يحجزون مكانهم… وكندا في الصفوف الأمامية

رؤوف نجم
االحدث كندا – مونتريال -خاص
مع اقتراب إقفال باب تسجيل اللبنانيين غير المقيمين للاقتراع في الانتخابات النيابية المقرّرة في ربيع 2026، يعود صوت الاغتراب إلى واجهة المشهد السياسي. الأرقام الرسمية الصادرة عن وزارتي الداخلية والخارجية والمغتربين تُظهر أن التسجيل يسير بوتيرة أبطأ من استحقاق 2022، لكنّها تكشف في الوقت نفسه عن خريطة جديدة لحضور اللبنانيين المنتشرين حول العالم، تتقدّم فيها كندا إلى موقع متقدّم بين الدول المضيفة.
منصّة إلكترونية ومهلة محسوبة
أطلقت وزارة الخارجية والمغتربين منصّة إلكترونية مخصّصة لتسجيل اللبنانيين غير المقيمين على الرابط:
diasporavote.mfa.gov.lb، تطبيقًا لأحكام القانون الانتخابي المتعلّق باقتراع المقيمين في الخارج. انطلقت عملية التسجيل في 2 تشرين الأول/أكتوبر 2025، ومن المقرّر أن تُقفل المهلة عند منتصف ليل 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، وفق التوقيت المعتمد في بيروت.
الآلية باتت معروفة اليوم لمعظم أبناء الجاليات: على كل مواطن لبناني مقيم خارج البلاد، ومولود قبل 30 آذار/مارس 2005، أن يدخل إلى المنصّة، يختار البعثة الدبلوماسية (سفارة أو قنصلية) في بلد الإقامة، يتأكّد من وجود اسمه على القوائم الانتخابية، ثم يرفع صورة عن مستند لبناني صالح أو منتهي الصلاحية (هوية، جواز سفر، سجلّ قيد…) إضافةً إلى إثبات إقامة في الخارج. هذه الخطوات تحوّلت إلى مادة توعوية أساسية في خطابات الأحزاب والجمعيات وبيانات البعثات الدبلوماسية منذ بداية تشرين الأول.
أرقام تتقدّم ببطء… وبيان مشترك في الأيام الحاسمة
في الأيام الأخيرة السابقة لإقفال باب التسجيل، أصدرت وزارتا الداخلية والخارجية بيانًا مشتركًا أوضحتا فيه أنّ عدد الطلبات المقدَّمة عبر المنصّة الإلكترونية بلغ 87,067 طلبًا حتى 17 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، أي قبل ثلاثة أيام فقط من انتهاء المهلة. وأشار البيان إلى أن وزارة الداخلية تسلّمت حتى التاريخ نفسه 56,764 طلبًا يجري التحقّق منها وتصفيتها وفق الأصول القانونية المعتمدة.
بهذه الأرقام، يكون التوجّه العام أقلّ بكثير من المشاركة التاريخية التي سُجّلت في انتخابات 2022، حين تخطّى عدد الناخبين غير المقيمين المسجّلين حاجز 220 ألفًا، مقارنةً بنحو 92 ألفًا فقط في انتخابات 2018، بحسب دراسات انتخابية وتقارير دولية تابعت تصويت الاغتراب. لكنّ المقارنة لا تلغي واقعًا آخر: رغم التراجع النسبي في الحماسة، ما زال المغتربون يثبّتون حقّهم في صندوق الاقتراع، ويطبعون الخريطة الانتخابية بطابع جديد، تتقدّم فيه دول لم تكن في صدارة المشهد قبل سنوات قليلة.
خريطة انتشار جديدة: فرنسا أولًا… وكندا الثالثة على اللائحة
البيان الأخير لوزارة الخارجية والمغتربين تضمّن جدولًا تفصيليًا موزّعًا على البعثات الدبلوماسية في القارات المختلفة. ووفق هذا التوزّع، احتلّت فرنسا المرتبة الأولى في عدد المسجّلين حتى منتصف تشرين الثاني، تلتها ألمانيا الإتحادية، فيما جاءت كندا في المرتبة الثالثة عالميًا، ثم الولايات المتحدة، فـأستراليا، والإمارات العربية المتحدة، وساحل العاج، والمملكة العربية السعودية.
هذا الترتيب يحمل دلالتين أساسيتين: الأولى أنّ الدول الأوروبية ما زالت تشكّل الثقل الأكبر في اقتراع الشتات، والثانية أنّ الحضور الكندي لم يعد تفصيلًا جغرافيًا، بل بات عنصرًا ثابتًا في المعادلة الانتخابية، يتقدّم على دول ذات كثافة لبنانية عالية وتراث طويل في استقبال الهجرة اللبنانية، بينها بعض الدول الخليجية والأميركية اللاتينية.
كندا: من أرقام الإحصاء إلى صناديق الاقتراع
بحسب الإحصاء الكندي لعام 2021، يقدَّر عدد الكنديين من أصل لبناني بأكثر من مئتي ألف شخص، مع هوامش تقديرية ترفع الرقم في بعض الدراسات الرسمية وغير الرسمية إلى حدود 400 ألف بين مواطنٍ من أصل لبناني ومقيم يحمل الجنسية اللبنانية أو ينتظرها. يتمركز معظم هؤلاء في مقاطعتَي كيبيك وأونتاريو، ولا سيما في مونتريال وتورونتو، إلى جانب حضور متزايد في أوتاوا وهاليفاكس ومدن أخرى.
هذا الثقل الديموغرافي لا يبقى حبيس خانة الإحصاءات، بل يتحوّل تدريجيًا إلى ثقل انتخابي فعلي. فاختيار كندا للمرتبة الثالثة في عدد المسجّلين يعني أنّ قسمًا ملحوظًا من هذه الجالية قرّر ترجمة العلاقة العاطفية مع لبنان إلى مشاركة سياسية، مستفيدًا من سهولة التسجيل الإلكتروني ومن تعبئة كثيفة قادتها السفارة والقنصلية والأحزاب والجمعيات والكنائس المحلية في الأسابيع الماضية.
سفارة أوتاوا وقنصلية مونتريال: واجهة رسمية لنبض الجالية
على المستوى الإجرائي، يشكّل الثنائي الدبلوماسي في كندا – سفارة لبنان في أوتاوا والقنصلية العامة في مونتريال – البوابة الرسمية لكل ناخب لبناني راغب في التسجيل. فالمقيمون في العاصمة الكندية وضواحيها والمدن المجاورة يسجّلون عادةً على سفارة أوتاوا، في حين يتوجّه أبناء منطقة مونتريال الكبرى ومناطق واسعة من كيبيك إلى القنصلية العامة.
منذ بداية تشرين الأول، كثّفت البعثتان نشر البيانات التوضيحية وروابط المنصّة الإلكترونية عبر المواقع الرسمية وصفحات التواصل الاجتماعي، مع شروحات باللغتين العربية والفرنسية حول المستندات المطلوبة وكيفية تعبئة الاستمارة. هذا الجهد التوعوي الرسمي ترافق مع تجاوب ملموس من الجمعيات الأهلية والنوادي والروابط والمرجعيات الروحية، التي تحوّلت في بعض الأحيان إلى مراكز مساعدة تقنية لتسجيل كبار السنّ أو من يواجهون صعوبات في استخدام المنصّة الرقمية.
تعبئة سياسية وإعلامية: من منابر الجالية إلى القانون الانتخابي
لم يقتصر الحراك في كندا على الجانب الإداري. فمعظم القوى السياسية اللبنانية، الحاضرة تاريخيًا في مونتريال وتورونتو، جعلت من ملف تسجيل المغتربين محورًا رئيسيًا في خطابها الموجّه للجالية. لقاءاتٌ متعاقبة، زيارات لقيادات حزبية، ندوات في الأندية والكنائس، مقالات ومواد صحافية وتحليلية في وسائل الإعلام الناطقة بالعربية والفرنسية والإنكليزية… كلّها ركّزت على فكرة واحدة:
«إذا تراجع عدد المسجّلين في الاغتراب، يصبح من السهل على القوى المناهضة لاقتراع المغتربين أن تطالب بتعديل القانون وحصر التمثيل بستة مقاعد فقط».
من هنا، اكتسب التسجيل في كندا بعدًا إضافيًا؛ فهو ليس فقط ضمانة لحق الناخب الكندي–اللبناني في المشاركة، بل أيضًا رسالة سياسية واضحة مفادها أن الشتات لا يزال متمسّكًا بدوره في رسم المشهد البرلماني، وأن محاولات تقليص تأثيره لن تمرّ بصمت.
بيئة كندية تشجّع على المشاركة
ما يساعد على تحويل هذه التعبئة إلى أرقام على لوائح الشطب هو طبيعة النظام السياسي الكندي نفسه. فاللبناني المقيم في كندا يعيش في مجتمع يَعتبر المشاركة في الانتخابات، على المستويين الفدرالي والبلدي، جزءًا من «الواجب المدني». يتابع الحملات من قرب، يختبر تداول السلطة، يراقب أداء المؤسسات.
هذه التجربة اليومية في بلد مثل كندا تعيد صياغة نظرة الكثير من اللبنانيين إلى السياسة. حين يقف الناخب أمام استمارة التسجيل على منصّة الانتخابات اللبنانية، يستحضر تلقائيًا صورة صناديق الاقتراع في مونتريال أو أوتاوا أو تورونتو، وكيف يمكن لصوت واحد أن يرجّح كفّة نائب أو يُسقط رئيس بلدية. لذلك، لا يعود التسجيل مجرّد إجراء بيروقراطي، بل محاولة لنقل جزء من هذه الثقافة الديمقراطية إلى الحياة السياسية في لبنان.
من حماس 2022 إلى حذر 2026… وكندا تستمر في الواجهة
صحيح أنّ الأرقام الحالية تُظهر تراجعًا في عدد المسجّلين بالمقارنة مع انتخابات 2022، إلا أن قراءة أكثر عمقًا تكشف أنّ الخرق الكندي ما زال قائمًا. ففي حين يعبّر كثيرون من المغتربين عن خيبة أملهم من نتائج الانتخابات السابقة، أو عن شعورهم بأن التغيير اصطدم بجدار المنظومة، تتابع شريحة واسعة من الجالية في كندا عملية التسجيل حتى الأيام الأخيرة، مدفوعةً بمزيج من الحنين والمسؤولية وإحساسٍ بأن التخلي عن حق الاقتراع يعني تسليم القرار لمن هم في الداخل فقط.
بهذا المعنى، تحافظ كندا على موقعها في الصفوف الأولى لخريطة اقتراع المغتربين، وتقدّم نموذجًا قد تكون له تداعيات سياسية أبعد من حدود المقاعد التي ستُحتسب لها في الدوائر الانتخابية اللبنانية. فالإصرار على التسجيل، رغم الانهيار العام في لبنان وتحدّيات الهجرة والاندماج في بلد جديد، يعني ببساطة أنّ جزءًا من اللبنانيين في كندا لم يقرّر بعد «قطع آخر خيط» مع السياسة في وطنه الأم.
خلاصة: صوت كندا رسالة إلى بيروت
تقدّم كندا في خريطة تسجيل المغتربين للانتخابات النيابية 2026 ليس تفصيلًا إحصائيًا عابرًا. إنّه مؤشّر سياسي ومعنوي في آن واحد:
سياسي، لأنّ هذه الأرقام تُترجم في النهاية إلى أوراق اقتراع قادرة على قلب النتائج في بعض الدوائر، أو على الأقل على إعادة توزيع موازين القوى.
ومعنوي، لأنّها تقول إن اللبناني الذي بنى حياة جديدة في مونتريال أو تورونتو أو أوتاوا أو هاليفاكس، ما زال يرى في صندوق الاقتراع اللبناني نافذةً صغيرة نحو «لبنان الممكن» الذي يشبه تجربته في كندا: دولة قانون، ومؤسسات، وتنوّع مُدار لا متفجّر.
في الأيام الأخيرة قبل إقفال المنصّة، ستتجه الأنظار إلى الأرقام النهائية. لكنّ الثابت حتى الآن أن صوت كندا في الاغتراب بات رقمًا صعبًا في أي نقاش مقبل حول قانون الانتخاب وتمثيل الشتات، وأن الجالية اللبنانية هناك قرّرت ألا تكتفي بدور المتفرّج على ما يجري في بيروت، بل أن تكون شريكًا – ولو من بعيد – في صناعة الاستحقاق النيابي المقبل.
الأخبار بالفيديو

الأخبار عبر البريد الإلكتروني
اشترك الآن لتصلك الأخبار إلى بريدك الإلكتروني

