الحدث -كندا خاص

رؤوف نجم

تتسارع في أجواء أوروبا حوادث الطائرات المُسيّرة غير المعرَّفة، من إغلاقات مطارات في الدنمارك إلى تحليق فوق مواقع عسكرية فرنسية، في مشهدٍ تعتبره عواصم أوروبية اختبارًا لأمنها الجوي ونذيرًا لمرحلة جديدة من «الحرب الهجينة» التي تمزج بين التخريب والإنكار وصعوبة الإسناد. خلال يومين فقط، أُغلِق المجال الجوي فوق مطار آلبورغ شمالي الدنمارك مرتين خلال 48 ساعة بعد رصد طائرات صغيرة مشتبه بها—بعد أيام على اضطرابات مشابهة في كوبنهاغن وبيلوند—قبل أن يُعاد فتحه مع استمرار التحقيقات وتكثيف المراقبة.

الدنمارك تتصدّر المشهد
تتعامل كوبنهاغن مع ما يجري باعتباره تهديدًا منظّمًا، ولو من دون إعلان نهائي عن الجهة المسؤولة. طُرحت خيارات سياسية وأمنية، بينها اللجوء إلى المادة الرابعة من معاهدة الناتو للتشاور، فيما وصف مسؤولون ما يحدث بـ«هجمات هجينة» تستهدف تعطيل الحركة الجوية واستنزاف الموارد.

تكتيكات إرباك للناتو
ترى عواصم أوروبية أن نمط التحليقات، وتزامنها الجغرافي من شمال القارة إلى شرقها، يوحيان باختبارٍ ممنهج للجاهزية الدفاعية والشرطية. وتزداد حساسية المشهد على وقع الحرب في أوكرانيا وارتفاع التوتر مع روسيا، مع الإشارة إلى حوادث توغّل في أجواء دول البلطيق وبولندا تُظهر صعوبة الردّ السريع على أجسام صغيرة ومنخفضة الارتفاع.

 رصد مسيّرات فوق قاعدة فرنسية
أكدت وزارة الجيوش الفرنسية تسجيل تحليقات «أجهزة صغيرة» فوق قاعدة مورملون-لو-غراند شمال شرقي البلاد، في واقعة وُصفت بأنها «استثنائية». المعلومات الأولية تشير إلى نطاق رصد شمل أكثر من نقطة داخل القاعدة، ما دفع باريس إلى رفع مستوى التيقّظ وتشديد التنسيق مع الشركاء الأوروبيين.

وتُظهر الوقائع أن المسيّرات الصغيرة والرخيصة يمكن إطلاقها من منصّات متنقّلة أو بحرية، وأنها تُبرمج لمسارات وارتفاعات تُربك الرادارات التقليدية. هذا يجعل الإسناد صعبًا، ويمنح المنفّذ «إنكارًا معقولًا» يؤخر الاتهام والردع، ويزيد الكلفة السياسية لأي إعلان متسرّع.

المسيّرة الرخيصة والردّ مكلف
فارق الكلفة جوهري: اعتراض جسم صغير منخفض الكلفة بطائرة مقاتلة أو بصاروخ دفاع جوي ليس مستدامًا. هنا تكمن قوة «الإرباك منخفض التكلفة»؛ فالمهاجم ينفق القليل لتحصيل أثرٍ كبير، بينما تتحمّل الدول كلفة تشغيل مرتفعة لإغلاق المجال الجوي وتحويل الرحلات ونشر الموارد.

مطارات وبنية تحتية يمكن تعطيلها سريعاً
يتجاوز الخطر تعطيل المطارات إلى احتمالات تهديد البنى التحتية للطاقة والاتصالات والمرافئ. وفي أشهر الشتاء المقبلة، تصبح حماية مزارع الرياح البحرية وخطوط الكهرباء ومحطات الغاز أولوية قصوى، ما يفرض جاهزية مرنة على البر والبحر.

خطة أوروبية موحّدة لاكتشاف المسيّرات وإسقاطها
يتبلور ردّ أوروبي مزدوج: تقني وتشريعي. تعمل دول الشمال والشرق على شبكة إنذار ورصد واعتراض مشتركة وُصفت إعلاميًا بـ«جدار المسيّرات»، تشمل رادارات قصيرة المدى، ومستشعرات بصرية/صوتية، وحلول تشويش واتصالات، ووسائل قنص آمنة فوق مناطق مأهولة—مع تبادل بيانات لحظي بين المطارات والجيش والشرطة.

قوانين أقوى وتقنيات متعدّدة لحماية الأجواء
يبحث الاتحاد الأوروبي تمويلًا أوسع لمنظومات مضادّة للمسيّرات ضمن برامج الأمن والدفاع، مع تحديث تشريعات تمنح مشغّلي البنية التحتية الحيوية صلاحيات تحييد المسيّرات عند الحاجة، وتضع أطرًا أوضح لتتبع المُشغِّلين ومحاسبتهم.

رسميًّا: حذر في الاتهامات…
تتجنّب الحكومات إطلاق اتهامات قاطعة قبل اكتمال الأدلة، لكن المزاج العام يميل إلى قراءةٍ تعتبر ما يجري «اختبارًا» متّسقًا للثغرات. وعلى هذا الأساس، تتزايد الدعوات لتنسيق أطلسي/أوروبي مُحكَم قبل حلول الشتاء، حيث يرتفع وزن أي تعطيلٍ لوجستي أو طاقوي.

اليوم اصبحت أوروبا أمام معادلة أمن جوي جديدة: الخطر لا يأتي من أسراب ضخمة بقدر ما يأتي من «إبرٍ طائرة» تُحدث وجعًا في اللحظة والمكان الأشدّ حساسية. ومع تسارع بناء «جدار المسيّرات» وتشديد القوانين، سيُقاس النجاح بقدرة العواصم على إغلاق الفجوات بسرعة، وخفض كلفة الردّ، وتثبيت ردعٍ موثوق يحمي الطيران والبنية التحتية معًا.